محمد الأحمدي

محمد الأحمدي*
برغم حداثة عهده بالعمل السياسي، يبدو حزب اتحاد الرشاد اليمني ذو التوجه السلفي أسرع الأحزاب والتنظيمات القائمة وصولاً إلى هموم الشارع اليمني وملامسة أوجاعه من خلال تبنيه أهدافاً أقرب إلى طموح المواطن اليمني العادي، في مقدمتها تطبيق الشريعة الإسلامية ونبذ العنف المسلح وبسط سيادة القانون ورفض الوصاية الأجنبية على البلد، وهي لافتات اكتظت بها القاعة الكبرى بصنعاء التي احتضنت اعمال المؤتمر التأسيسي للحزب.
وبالإضافة إلى ذلك، كان الرشاد السلفي هو الحزب الوحيد من بين الأحزاب الناشئة، الأقدر على إحراز مكاسب سياسية في غضون مدة زمنية قصيرة، بدءاً بحضوره الإعلامي اللافت منذ أعلن عن ولادته في مارس 2012م، مروراً بحصوله على الاعتراف الرسمي كأول حزب سلفي يمني، رغم الانشقاقات التي أضرت إلى حدٍ ما بسمعته، وإن لم تؤثر على سير إجراءات التصريح، وانتهاءً بانتزاعه أحد مقاعد اللجنة الفنية للحوار بقرار رئاسي، من بين حوالي 14 حزباً وتنظيماً سياسياً تحت التأسيس منذ توقف قطار الثورة الشبابية الشعبية في اليمن.
ومع وجود حالة من الضبابية تشوب مواقف الحزب إزاء العديد من القضايا الساخنة، بما في ذلك مستوى تمثيل المرأة في هيئات الحزب ومكوناته ورفضه عضوية المواطنين اليمنيين من غير المسلمين، وما أشبه ذلك، غير أن مهرجانات الحزب خلال مرحلة التأسيس بددت الكثير من المخاوف حول قدرة الحزب على تجاوز الإشكاليات النفسية والفقهية في مسألة القبول بالآخر، حيث كشفت قيادات الحزب خلال مؤتمره التأسيسي عن لقاءات عديدة جرت في مقر الحزب خلال الأشهر والأسابيع التي سبقت المؤتمر جمعت قياداته بممثلي عدد من المنظمات والهيئات والسفارات الأجنبية العاملة في اليمن.
وعلى صعيد علاقاته بالأطراف والأحزاب اليمنية، أكدت قيادات الحزب في تصريحات صحافية أكثر من مرة بأن حزبهم لن يكون بيد طرف ضد طرف آخر، وإنما مع الحقيقة أينما كانت، وأنه سيقف مع الجميع على مسافة واحدة، تحكمها رؤيته للشرع والمصلحة الوطنية، على أساس مبدأ “التعاون على البر والتقوى وليس على الإثم والعدوان”.
وهو ذات الأمر الذي أكده رئيس اتحاد الرشاد د. محمد بن موسى العامري، في كلمته خلال المؤتمر التأسيسي، الذي أسفر عن إقرار النظام الأساسي للحزب وبرنامجه السياسي، وإعادة انتخاب هيئاته العليا التي أدارت دفة الحزب خلال مرحلة التأسيس، حيث أكد رئيس الحزب بأن اتحاد الرشاد وإن كان بحسب المفهوم السياسي محسوباً على المعارضة، لأنه ليس طرفاً في الموقعين على اتفاق التسوية، إلا أنه يسعى ليكون “حزباً ذا نكهة متميزة”، يتخذ مواقفه وفقاً لما تمليه المصلحة العامة وليس مصلحة الحزب.
ولعل هذه الرسائل المطمئنة تبرز جلياً من خلال موقف الحزب في مؤتمره التأسيسي أيضاً عندما جدد رفضه مجدداً تشكيلة لجنة الحوار الفنية المكلفة بالإعداد للحوار الوطني رغم إدراج الحزب ضمن الأطراف الممثلة في هذه اللجنة، حيث شدد الحزب في بيانه الختامي على جملة من التوصيات لإنجاح مسيرة الحوار الوطني، حسب تعبيره، من بينها “التمثيل العادل والمتكافئ لجميع قوى الشعب من علماء وشباب وأحزاب ومنظمات أهلية وكيانات قبلية وغيرها”، و”أن يكون القرآن والسنة المرجع عند الخلاف والتنازع، وأن تكون الوحدة واستقلال البلاد ونظامه الجمهوري سقفاً للحوار”، بالإضافة إلى “ضرورة استقلال مسيرة الحوار الوطني ومجرياته وقراراته من التدخلات والضغوطات والمؤثرات الأجنبية”، مع التشديد على “إعطاء القضايا الوطنية الهامة الأولوية في الحوار، وفي مقدمتها القضية الجنوبية، وتجنيب طاولة الحوار المسائل التي لا ترتقي إلى أن تكون مشاكل أو ظواهر فضلاً على أن تكون قضايا وطنية تستحق جمع اليمنيين للتحاور حولها”، في إشارة على ما يبدو إلى إقحام قضية زواج الصغيرات ضمن القضايا المطروحة أمام مؤتمر الحوار الوطني الشامل.
وتجدر الإشارة إلى أنه منذ أعلنت بعض التيارات السلفية في اليمن انخراطها في معترك العمل السياسي منتصف مارس 2012م، يدور جدل واسع على الساحة الوطنية حتى داخل الجماعات السلفية نفسها حول مدى قدرة هذه التيارات على التعاطي مع المعترك الراهن، وكذا قدرتها على التعاطي مع بقية أطراف اللعبة السياسية وقضايا السياسة بصفة عامة، في الوقت الذي ظلت هذه الجماعات على مدى عقود تحرم الانتخابات وتعتبر الديمقراطية والتعددية السياسية ضرباً من الكفر، لأنه منهج غربي لا يستقيم ومفهوم الحاكمية في الشريعة الإسلامية.
وبقدر ما شهدته هذه الجماعات السلفية سواء في اليمن او المنطقة العربية عموماً من تحولات بالغة الأهمية أفرزتها ثورات الربيع العربي إلا أنها لا تزال حديثة عهد بالتجربة السياسية، ما يعني إمكانية وقوعها في هفوات قد تدفع بسببها الثمن باهظاً على مستقبلها السياسي، خصوصاً إذا ما وضعنا في الحسبان حالة الاحتقان الطائفي والمذهبي الموجودة في المنطقة ومحاولة استغلال هذا الوضع القاتم من قبل القوى الكبرى المتصارعة.
وبحسب محللين سياسيين ومراقبين للشأن اليمني فإنه بخلاف الكثير من الأحزاب الناشئة التي تربو عن 14 حزباً وتنظيماً سياسياً في طور التأسيس، يبدو اتحاد الرشاد السلفي أكثر هذه الاحزاب جماهيرية وأقدرها على الحشد التعبوي والجماهيري، مستنداً في ذلك، على ما يبدو، إلى رصيده الدعوي الديني والاجتماعي منذ سنوات، من خلال انخراطه في العمل الخيري الإغاثي عبر جمعيات خيرية يديرها في كل محافظات البلاد، بالإضافة إلى المدارس والمراكز الدينية والمساجد التي تمثل بالنسبة له عمقاً اجتماعياً، قد تساعده في صناعة مفاجأة غير متوقعة خلال أول اختبار حقيقي لحجم القوى والأحزاب السياسية الموجودة في الساحة، أو لنقل أول انتخابات برلمانية قادمة.
ويرى العديد من المراقبين بأن حزب الرشاد السلفي بما يمتلكه من إمكانيات بشرية ومادية لا تتوفر لدى العديد من الأحزاب الأخرى، قد يصبح على المدى المنظور رأس القطب الثالث في المشهد السياسي اليمني، في مقابل القطبين القائمين: اللقاء المشترك وشركاؤه، والمؤتمر وحلفاؤه، خصوصاً إذا ما نجح بالفعل في السير على ذات الخط الذي اختاره لنفسه في الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، ما يعني إحداث حالة توازن سياسي قد تساهم في إطالة أمد الوفاق السياسي وتجنيب البلاد الولوج في أتون صراع سياسي يعيد إنتاج الصراعات المزمنة التي شهدتها البلاد على مدى نصف قرن تقريباً.
وبصرف النظر عن هذه التكهنات، تشير بعض المعلومات التي حصلت عليها “الغد” إلى أن هناك 8 أحزاب ناشئة على الأقل، حصلت على الاعتراف الرسمي من قبل لجنة شؤون الأحزاب لاستيفائها كافة الشروط والإجراءات القانونية المطلوبة، في مقدمتها حزب الرشاد السلفي، إلى جانب حزب رابطة أبناء اليمن “رأي”، كل هذه الأحزاب بدأت بالفعل منذ فترة في تنظيم لقاءات دورية بينها تحت إطار مسمى الأحزاب غير الموقعة على اتفاق المبادرة الخليجية، هدفت من خلال تلك اللقاءات إلى بلورة رؤية مشتركة للتعامل مع الواقع الراهن وتنسيق جهودها ومواقفها إزاء جملة من القضايا الوطنية في مقدمتها تصحيح مسار التحضيرات الجارية لمؤتمر الحوار الوطني الشامل.
نقلاً عن صحيفة الغد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* رئيس دائرة الحقوق والحريات في ‏اتحاد الرشاد اليمني

بواسطة : محمد الأحمدي

شاهد جميع مقالات

مقالات ذات صلة

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك المُفضل