كتابات

((ويمشون في الأسواق)).


بقلم / عمار بن ناشر العريقي
ذكرت هذه الآية الكريمة في وصف الرسل الكرام عليهم الصلاة و السلام في موضعين من آي القرآن :(وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ)(وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ في الأسواق).
أي يختلطون بالناس لطلب الكسب الحلال خلافا لحال الكسالى والمتكبرين وهم من الناس وفيهم(رسولا من أنفسهم)(بلسان قومه ليبين لهم)، فليسوا ملائكة ولاجبابرة ، دلالة على بشرية الرسل وتواضعهم وقربهم من الناس وعدم الانكفاء والانطواء والعزلة عنهم.
إنه لايمكن للمصلحين أن يحظوا بالتأثير والقدرة على التغيير مالم يكونوا يحظوا بمحبة الناس والمصداقية والثقة والقبول لديهم، وسبيل ذلك بأن يكونوا قريبين منهم في تربيتهم وتعليمهم وتزكيتهم و مشاركتهم همومهم وحل مشكلاتهم وعدم التميز باستعلاء عنهم.
تأمّل معي مارواه البخاري عن أنس قال: (بينما نحن جلوسٌ مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في المسجدِ، دخل رجلٌ على جَمَلٍ، فأناخه في المسجدِ ثم عَقَلَهُ، ثم قال لهم: أَيُّكم مُحَمَّدٌ؟ والنبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم مُتَّكِئٌ بين ظَهْرَانِيهِم، فقلنا: هذا الرجلُ الأبيضُ المُتَّكِئُ ..) الحديث ، وفيه إقباله وتصديه صلى الله عليه وسلم للناس ومسائلهم ومشكلاتهم في المسجد ثم لايتميز بلباس ونحوه عنهم ، سبحان الله! هل يستوي هو و مشايخ أكاديميون غاية همهم الراتب الشهري المغري ولسان حالهم- لامقالهم – صريح باعتبارهم التعليم وظيفة تدر عليهم بالمال الوفير وليست أمانة و رسالة لنيل الثواب الكبير، أو أئمة و خطباء يبادرون إلى الخروج من المسجد فور انقضاء الصلاة والخطبة ثم هم بمثل دعوى عدم إضاعة الوقت أو الانشغال بالعلم أو المحافظة على الهيبة والوقار لايجالسون العامة ولا يتواصلون مع طلبة العلم ولا يفتحون لهم بيوتهم وقلوبهم أو يبذلون لهم جهودهم وأموالهم!! والعجب لاينقضي حين تسمعهم يعجبون من عزوف الناس عنهم ونفورهم منهم وكراهيتهم لهم !!.
أتهجر من تحب وأنت جارُ؟
وتسأل في المنازل أين ساروا؟
فنفسك لُمْ ولا تلمِ البرايا
ومتْ أسفاً فقد حقً الحذارُ
تباعد من هويت وأنت دانٍ
فلا تتعبْ فليس لك اعتذار.
كثير من الدعاة اليوم يطلبون مثل علم الفقه والحديث واللغة والقراءات ويحرصون على نيل عالي الشهادات ربما أحيانا لأغراض المال والمجد والمنصب والشهرة ثم ينقطعون عن طلب العلم والدعوى ويستنكفون عن مخالطة العامة خلافا لقوله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).
ولايخفى علينا عتاب ربنا لنبينا حين إعراضه عن الرجل أعمى البصر رغم تأوله واجتهاده في دعوة زعماء الكفر عميان البصيرة وسمى ذلك الرب تلهيا (فأنت عنه تلهى)! وتوبيخه الكريم له بقوله: ( كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ)كما في أوائل الآيات من سورة(عبس)، فالقرب من العامة مصلحة شرعية لهدايتهم (لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى) قبل أن يحسب لها السياسيون حساب الربح والخسارة كصوت انتخابي وغيره،
فلاينبغي الاستهانة بدعوة العامة من الناس كسائق السيارة وحارس العمارة وحسبنا إشادة القرآن وتخليده لمثل (رجل من أقصى المدينة يسعى) كما في سورتي (القصص) ومثله في (يس)، و(رجل مؤمن)كما في سورة غافر.
ومن منا يجهل الأثر الكريم لعامة أميين لايحسنون القراءة والكتابة لكنهم أتقنوا في حرب عدوان الحوثي فنون المقاومة ببسالة لاتتوفر في النخبة من العلماء والمفكرين والساسة. وفي المقابل مانلمسه من الأثر السيئ لمشغبين من العامة في الذباب الالكتروني في وسائل التواصل وغالبهم من غوغاء الناس في حين إيثار بعض النخب للعزلة والنأي بالنفس عن نصرة الدين والشعب والوطن وهم يشاهدون ما يعصف بالبلاد من فوضى وهرج وفتن. فأين نحن من قول أَبِي هُرَيْرَةَ : ” لَوْلا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا ، ثُمَّ تَلا : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَاب .. أولئكَ لاخلاق لهم في الآخرة ولايكلمهم الله ولايزكيهم ولهم عذاب أليم) ، وَ (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى…أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ..)
إنها دعوة لضرورة تحلي الدعاة بالإيجابية والحركة والجدية والفاعلية حسب الوسع والقدرة وفق منهج التوازن والوسطية بصدق وإخلاص وربانية نسأل الله حسن العافية وحسن القصد والنية (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ).

مقالات ذات صلة