كتابات

عاصمة بني رسول

images (4)

بقلم / أحمد المقرمي

البحر لا يأسن ماؤه و لا يتعفن، و السماء تزدهي بنجومها و لا تتنكر، و الأشجار تعطيك ظلالا و أزهارا و ثمارا، إلا شجرة جُذّت أغصانها فبخلت بظل أو ثمار فقد جنت على نفسها كما جنت على نفسها النخلة الحمقاء، التي أبدع في تصوير لؤمها الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي :

 

و نخلة غضّة الأفنان باسقة قالت لأترابها و الصيف يحتضر

إني أكلف نفسي فوق طاقتها و ليس لي بل لغيري الظل و الثمر

لأقصرنّ على نفسي عوارفها فلا يبين لها في غيرها أثر

إني مفصّلة ظلي على جسدي فلا يكون به طول و لا قصر

و لست مثمرة إلا على ثقة أن ليس يأكلني طير و لا بشر

عاد الربيع إلى الدنيا بموكبه فازّينت و اكتست بالسندس الشجر

و ظلت النخلة الحمقاء عارية كأنها وتد في الأرض أو حجر

فلم يطق صاحب البستان رؤيتها فاجتثها فهوت في النار تستعر

من ليس يسخو بما تسخو الحياة به فإنه أحمق بالحرص ينتحر

 

و تعز عاصمة دولة بني رسول، مدينة التمدن و المدنية، و التحضر و الثقافة، بذلك تزدهي و لا تتنكر، و بسلوكها المتحضر تفاخر و لا تتكبّر. تتلمذت على يد معاذ بن جبل، و ترسخت ثقافتها في أروقة مسجد الجند و صحن الأشرفية و ظلال جامع المظفر، و فاح سنا ضوءها و شعاع علمها مشرّقا و مغرّبا، و تمدّد شمالا و جنوبا . و ما كانت يوما عاصمة بني رسول بخيلة العطاء، أو شرسة الطّباع، أو قرويّة الهوى، أو محدوديّة المشروع، أو كليلة البصر و البصيرة، فسبتمبر له معها قصة و أكتوبر لم تكن بعيدة عنه و فبراير عاشته مع اليمن كله؛ لذلك فقد كان هواها اليمن و اليمانيين :

 

ألآ لا أحب السير إلا مُصاعدا و لا البرق إلا أن يكون يمانيا

 

و اليوم ما زالت الأشرفية بمنارتيها تشعّان علما و نورا و تحضّرا و تمدّنا، فالبحر ما بقي محافظ على طهوريته و طهره، و السماء تباهي بزرقتها و نجومها، و الأشجار بخضرتها و ثمارها، و تعز تتالّق تمدّنا و تحضّرا، ماتزال متمسكة بالإرث العلمي و الحضاري لبني رسول، و للثورة اليمنية سبتمبر و أكتوبر و فبراير، و مايزال ذلك عنوانها، و من يحاول إثارة الغبار على ذلك الشروق، بسلوك مغاير، أو بممارسات خرقاء، أو تصرفات بلهاء، مناكفة أو نزقا أو جهلا، فإنما هي تصرفات حمقاء سيعود سوء صنيعها و بؤس مكرها عليه(و لا يحيق المكر السيء إلا بأهله ).

تسيل أحيانا مياه آسنة إلى البحر، لكنه لا يتغير، و يتصاعد الغبار إلى الأعلى، لكنه لا يحجب السماء فضلا عن أنه يصلها، و قد تتردد – في تعز – من هنا أو هناك كلمات من سفاسف القول و ضحالته، أو من تصرفات الحمقى و جهالاتهم، لكنهم ليسو تعز و لا هم من يعبر عنها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *