كتابات

إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا.

542832_281526088591826_104075433003560_654290_1806441241_n

* د. محمد بن موسى العامري
مداخل الشيطان على الخلق ليس لها نهاية حتى منتهى هذه الدنيا ، وله في كل قوم حيلة وخدعة يستوي في ذلك الصالحون والمفسدون على حد سواء وإن كان المفسدون قد تمكن منهم وضمن اصطفافهم خلفه حتى قال قائلهم.
وكنت امرأ من جند إبليس فارتقى… بي الحال حتى صار إبليس من جندي.
إلا أن غوائله على بعض أهل الخير والصلاح قد جعلته يظفر بكثير منهم من طرائق شتى ومن ذلك:
-قوم أرادوا أن يحاكوا أئمة الجرح والتعديل من المحدثين وأن يجددوا هذا العلم بعد اندثاره فما زال بهم حتى سول لهم أنهم في مقام علي بن المديني وأبي زرعة الرازي وابن معين ونحوهم ! وهكذا شيئاً فشيئاً تحول هذا العلم النبيل على أيديهم إلى برنامج لقالة السوء وغيبة الخلق والوقوع في خيار الناس جهلاً منهم بحقيقة المقاصد والغايات التي ارتكز عليها علم الجرح والتعديل إذ الأصل هو صيانة الأعراض وحفظها وإنما أبيح من الجرح ما دعت إليه الحاجة الملحة لحفظ السنة وصيانة الرواية من الوضاعين ولم يكن القصد من هذا الفن إطلاقاً سلاطة اللسان وبذاءة الألفاظ وإثارة الفرقة والفتنة بين العباد ، وقد أشار ابن الجوزي في تلبيس إبليس على أهل الحديث إلى قريب من هذا.

-وقوم أرادوا أن يحاكوا أئمة الدين والهدى في الإسلام من المجددين كأمثال الإمام أحمد بن حنبل ونحوه في وقوفهم من فتنة أهل الكلام في خلق القرآن فسول لهم الشيطان أنهم حماة الدين وحراس العقيدة وأنهم قائمون بالحجة على منوالهم وهكذا يستمر النفخ فيهم من مقلديهم حتى جعلوهم يتخبطون في مواقفهم وآرائهم لا يفرقون بين ما هو من العقيدة ومواطن الإجماع ومحكمات الدين ، وما هو من فروع الفقه وسياسة الناس التي ترتبط بمقاصد الشريعة وموازينها, فخلط عليهم الشطان حتى أولجهم في متاهات الغلو وتكفير مخالفيهم بمتشابه القول ولازم المواقف والأفعال و ربما ظنوا أنهم وإن لم تقبل أقاويلهم اليوم أو يؤبه لها فلا بد من أن يكون لها صدى في مستقبل الأجيال والتاريخ وهكذا يتدرج الشيطان بهم حتى سفهوا مخالفيهم وشنعوا عليهم في ما فيه سعة من الرأي والاجتهاد.

-وآخرون نفروا من الطائفتين السابقتين وظنوا أن في وسعهم أن يقدموا الإسلام بطريقة عصرية ومرنة عسى أن يكون لها قبول في عقول الغربيين ومن سار في فلكهم من العلمانيين وما زال الشيطان بهم حتى جعلهم يهدمون محكمات الشريعة أصلاً أصلاً تحت عناوين الوسطية والاعتدال فلم يعد لدى بعضهم ما يتطلب الوقوف عنده من محكمات الشريعة وما أجمعت عليه الأمة فالحدود والقصاص والديات والولاء والبراء وقضايا الشريعة والمرأة وعلاقة المسلم بغيره والجهاد كلها أمور لها قراءات جديدة ومدلولاتها ومراميها تتجدد وفق أهواء الخلق!
ولأن هؤلاء أو أكثرهم قد عزفوا عن علوم الشريعة الإسلامية وأخذوها من أهلها ومصادرها فقد أغرقهم الشيطان فتوسعوا في التأويلات وهدم قواعد الأصول بناء على أنهم من أهل الاجتهاد وإن لم يتمكنوا من أدواته واستخفافا منهم بالتخصصات الشرعية حتى غدا كثير منهم قاب قوسين أو أدنى من المدارس الليبرالية التي لم يعد لديها شيء مقدس من نصوص القرآن والسنة وربما رأيتهم يتكلمون وكأنهم قد أحاطوا بعلوم المنقول والمعقول في علوم الشريعة مع أن غاية ما يرددونه لا يعدو كونه من إعادة الإنتاج لبعض المدارس والنظريات والأبحاث الممتزجة من أقاويل بعض أهل الاعتزال أو الاستشراق ونحوهم ممن أثاروا جملة من الشبهات والشكوك التي لا تثبت أمام الحجج ولا تستقيم على أساس يمكن التعويل عليه في شيء.
-ومن ذلك أن قوماً استدرجوا من جهة الحرص وشدة الغيرة على الدين فلم يزل ذلك دأبهم مع الزهد في العلوم الشرعية حتى عظموا فريضة السيف وهي حق في ذاتها لكنهم غفلوا عن غاياتها ومقاصدها وشرائطها ومتى وكيف يتم تحقيقها والقيام بها وهكذا شيئا فشئيا وخطوة خطوة ومنزلة منزلة حتى زهدوا في بقية الفروض الكفائية من العلم والدعوة وسائر وجوه البر والاحتساب وبالغ بعضهم فاستخف ببقية الشرائع بدعوى عدم جدواها وفائدتها واعتبار من يحرص عليها دون فريضة الجهاد على شفا جرف هار من الهلكة والبطالة!
ومن مداخل الشيطان التي أغرى بها هؤلاء إسقاطهم في صفوف أتباعهم لمكانة العلماء وفقهاء الإسلام والتشكيك في نواياهم وتصرفاتهم بالجملة وربما تندروا بفتاواهم ذات الصلة بأعمالهم! وفوق ذلك كله جعلوا لهم مراجع في الفتوى يتصدرون فيها في أمور لو عرضت على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لجمع لها أهل بدر والمهاجرين والأنصار, وبعض هؤلاء ربما يعجز عن الفتوى في دم الحيض والاستحاضة بينما تراه لا يتورع في الدماء المعصومة والاستخفاف بها بمجرد الشبهة أو ما يرونه من الحجج التي هي أوهى من خيوط العنكبوت وذلك لعمر الله من أقبح مداخل الشيطان لما يترتب عليه من إزهاق للأرواح وسفك للدماء بغير حق.
-وبالغت فئات من ذوي الفضل والصلاح في الحديث عن المؤامرات وخيوطها وتعقيداتها محلياً ودولياً واستدرجهم الشيطان من هذه الحيثية فروعهم وأجلب عليهم بخيله ورجله حتى أوصلهم إلى مرحلة متقدمة من اليأس والإحباط من محاولات الإصلاح ليزرع بذلك الوهن في نفوسهم فاتجهت شرائح منهم إلى العزلة والحديث عن فساد الزمان وأهله والتربص بالأقدار ومستقبل البشارات والإكثار من الإرهاصات والرؤى والمنامات والتحليل وربط الأحداث بعضها ببعض وانتظار المخلصين والمجددين وسائر الكرامات والمعجزات وخوارق العادات وبهذا يكون الشيطان قد ظفر بهم من زاويتين:
الأولى:- بث اليأس والإحباط من أية جهود إصلاحية.
والثانية:- الترويع بأوليائه والتخويف بهم للوصول في كلا الحالتين إلى القعود وترك الحركة والسعي عن العمل .
وقصارى القول إن الله سبحانه وتعالى قد أكثر في القرآن الكريم من الحديث عن غوائل الشيطان ووساوسه ودسائسه على الأنام وما ذاك إلا لخطورة الأمر وضرورة الاستعداد لصد مكره وإحباط حيله ولا يكاد ينجو من نزغه ونفخه ونفثه أحد إلا من أراد الله سبحانه وتعالى له السلامة والفكاك من عداوته والمدد في ذلك كله والعون بيد الله سبحانه وتعالى قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ }
نسأل الله اللطف والعافية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* رئيس اتحاد الرشاد اليمني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *