رضوان السماوي

إن ما حدث ويحدث في مصر الحبيبة في ظاهره شر وبلوى وألم وفزع، لكن لعل فيه خيراً كثيراً، ولعلنا نذكر هنا أهم الفوائد والدروس والحكم التي استفادها ويستفيدها أهل مصر وغيرهم من شعوب العالم العربي والإسلامي:

وحدة وتماسك الجبهة المصرية الداخلية المقتنعة بالثورة وخط الثورة، والتي تريد التغيير فعلاً، وأن ما حدث هو مؤامرة وانقلاب بعد أن انكشفت العديد من خيوط اللعبة لكل متابع للشأن المصري.

التأكيد على أن الحرب هي على الإسلام وأنه هو المستهدف ومنع قيام ووجود دولة قوية وحقيقية تسعى إلى تحقيق أهدافه ومبادئه سواء كانت تلك الحرب على التيار الجهادي والجناح العسكري للحركة الإسلامية باسم الحرب على القاعدة والجماعات المتطرفة، أو كانت الحرب على التيار السياسي للحركة الإسلامية باسم الحرب على الإخوان المسلمين وقياداتهم، وهذه الحقيقة لا يمكن أن تغير منها وجود بعض الأحزاب الإسلامية كحزب النور السلفي في الجبهة التي تعادي الإسلام؛ فهم قد أعلنوها صريحة أنهم ما دخلوا في العملية السياسية والانقلابية التي أدت الى إزاحة الرئيس مرسي إلا مكرهين وبهدف تقليل المفاسد والحفاظ على أكبر قدر من المصالح، وهم لم يقولوا في يوم من الأيام أن تلك الجبهة لا تكيد للإسلام أو أنها تريد تحكيم الشريعة وانتشار وانتصار الثقافة والنموذج الإسلامي.

فضح وكشف رموز وقيادات التيارات العلمانية والليبرالية وأن همها وهدفها الحقيقي هو مصالحها الذاتية دون النظر إلى مصالح الغالبية العظمى من أبناء الشعب المصري الذين يصبون إلى الدولة القوية العادلة المستقرة، التي في ظلها يجدون العيش الكريم والحياة الهادئة.

لقد كان هدفهم هو المعارضة للمعارضة ولتحقيق المكاسب الذاتية والشخصية والدليل على ذلك أنهم سكتوا عن الكثير من الأشياء التي كانوا يعارضون ضدها منذ أول يوم تولى فيه الرئيس مرسي سلطة الدولة؛ فهم في البداية وصفوه بالرئيس الكمبارس والشكلي حين احتفظ المجلس العسكري ببعض الصلاحيات المتعلقة بإعلان الحرب واتفاقيات السلام وغيرها، ولما ألغى ذلك الإعلان الدستوري وقام بإزاحة وإقالة وزير الدفاع ورئيس الأركان وبعد أن شرع ببعض الخطوات المتعلقة بفرض هيبة الدولة وسلطتها كتشكيل اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور وتحصين بعض قراراته لحين التصويت والاستفتاء على الدستور وصفوه بالرئيس الفرعون والديكتاتور، كما أنهم ظلوا يُعارضونه ويقفون منه موقف الضد في كل خطوة اتخذها ودعوا إلى التحالف مع أركان النظام القديم وأعضاء الحزب الوطني المنحل وقنوات الإعلام التي يملكها ويمولها رجال أعمال الحزب الوطني المنحل، بل ويقود برامج الثورة المضادة رموز وإعلاميو مبارك واستدعوا العسكر في أكثر من مناسبة للتدخل وإسقاط الرئيس، ولا ننس استغاثة البرادعي وحمدين صباحي بالجيش والتي كشفت الصحف عقدهم الجلسات والاجتماعات والتنسيق الكامل من أجل الوصول والتحضير لليوم المشهود 30 يونيو الذكرى السنوية الأولى لتسلم مرسي السلطة لتكون يوم الانقلاب المحتوم، واستخدموا كل أسلحتهم وأساليبهم العملية والإعلامية لإظهار سلطة الرئيس بالعجز والفشل؛ فكان الإطفاء المتكرر للتيار الكهربائي، وانعدام مادة الديزل والبنزين والسولار وتزاحم الناس في محطات التعبئة، وشحة مادة الغاز وأنابيب البوتاجاز، وتكاسل الشرطة عن القيام بدورها في حفظ الحقوق وضبط الأمن وحتى تسيير حركة المرور في الشارع، كما أنها تعاونت عليه أهم أجهزة الدولة المتمثلة في المؤسسة العسكرية والإعلام والقضاء. لقد كان القضاء يعمل ليلاً نهاراً من أجل عرقلة كل خطوات الرئيس المنتخب نحو السير بعجلة الدولة وتحريك دولابها الكبير، فكانت العديد من الأحكام والعديد من الإضرابات والعديد من الوقفات الاحتجاجية التي شلت حركة الرئيس، ولا ننس تلك الأحكام القضائية الصادمة ببراءة معظم رموز وأعوان النظام السابق بدعوى عدم كفاية الأدلة، كما لا ننس تلك الأحكام الظالمة بحل مجلس الشعب ورفض وإعادة قانون الانتخابات البرلمانية وغيرها الكثير والكثير من الأحكام.

لقد فضحت ثورات الربيع العربي من هم الذين لا يقبلون بالآخر ولا بالتعايش معه، فرغم أن مظاهر الدولة كلها لا تزال علمانية ومشبعة بالنمط الغربي وعلى مختلف الصعد بدءاً بالإعلام وانتهاء بتصفيفة الشعر -هذه الثقافة الدخيلة على المجتمع المصري التي لا تزيد في عمرها على المائة سنة- ومع ذلك تعايش معها الإسلاميون ولم يفرضوا نموذجهم بقوة الدولة ووسائل الترغيب والترهيب التي اتبعها أنصار التغريب في السابق في محو الهوية الإسلامية وفرض الهوية الغربية وثقافتها، إلا أنهم اليوم رفعوا عقيرتهم وخوفهم على الفن والفنانين وعلى الثقافة، زعموا وعملوا بكل ما أوتوا من قوة بتخويف الغرب من الإرهابيين وتخويف المجتمع من فرض نموذج الإخوان حتى وصلوا إلى الانقلاب وإسقاط الرئيس.

تأكد للجميع وعلى رأسهم الإخوان المسلمون أرباب التغيير السلمي والديمقراطي أن الديمقراطية ليست إلا صنماً من الشعارات ينقلب عليه أدعياؤه والنعاقون باسمه بمجرد عدم تحقيق مآربهم السياسية عن طريقه، ولا يبالون بعد ذلك بمن استعانوا بأحذية العسكر الغليظة أو الفلول وأتباع النظام السابق الذي ثاروا عليه، وهذا فيه مصلحة لتقارب مفاهيم المدارس الإسلامية المختلفة التي تعمل على استئناف الحياة الإسلامية ومحاولة الخروج من الهيمنة الغربية والأمريكية.

الانتصار القيمي والمعنوي والأخلاقي الذي حققه الإسلاميون أكبر بكثير من الهزيمة الوقتية والآنية التي لحقتهم جراء الانقلاب العالمي عليهم، فلقد كان العديد من الصحف والقنوات والمجلات تروج أن أمريكا والإسلاميين -تحديداً الإخوان- قد عقدوا صفقة لعشرات السنين إلى الأمام لتسلم الحكم والقبول بالهيمنة الأمريكية والمصالح الغربية والحفاظ على أمن وحدود دويلة اليهود (إسرائيل) في فلسطين المحتلة، بل راح يروج لهذه الأكذوبة فصيل يتلفع زوراً وكذباً بالمقاومة والممانعة، وسمعنا أصواتاً نشازاً تصف الإخوان بالعمالة والرضوخ للأمريكان، وأن أمريكا لا يمكن أن تسلم السلطة في مصر للإخوان إلا بعد أن باعوا القضية والعزة والكرامة وتخلوا عنها.

بواسطة : رضوان السماوي

شاهد جميع مقالات

مقالات ذات صلة

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك المُفضل