الحوار الوطنيرؤى الأحزاب

رؤية الحوثيين لجذور قضية صعدة

بسم الله الرحمن الرحيم
تـمهـيد:
إن الواقع البنيوي والسياسي المختل لمنظومة الحكم العصبوية الفردية التي ثار عليها الشعب اليمني في فبراير من العام 2011م، والتي اختزلت إدارة البلاد في المنظور الشخصي والنفعي لمراكز القوى التي شكلت تلك المنظومة، بعيدا عن أية رؤية استراتيجية وطنية؛ إلى حد استهداف مؤسسات الدولة واستلابها الأدوارَ المنوطةَ بها، وجعلِها مجرد ديكور في إدارة البلد، وواجهةَ استرزاق للصالح الخاص، كل ذلك في إطار التشبث بكرسي الحكم الذي تطور إلى نظرية التوريث التي خلقت تباينا في أروقة النظام أفضى إلى تجاذبات زادت الوضع سوءا أكثر مما كان عليه، ولكن في ظل توافق مقدس في الوقوف ضد كل من كان خارج إطار منظومتهم الحاكمة، هذا الواقع أفرز أكثر من قضية على المستوى الوطني ككل، كالقضية الجنوبية وغيرها بالترافق مع اختلالات مجتمعية طالما حرص النظام على إنتاجها والحفاظ عليها، كما أن ذلك الواقع أيضا أثر تأثيرا سلبيا رهيبا في مدى تعاطي النظام مع التجاذبات الإقليمية والدولية، وخصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001م، والتي أفرزت سياقا سياسيا جديدا في العالم عموما والمنطقة خصوصا، كان هو السياق الذي شنت فيه السلطة عدوانها منتصف 2004م – بعد سنة ونصف من الاعتقالات والانتهاكات التعسفية – والتي دشنت بذلك سلسلة حروب مدمرة أهلكت الحرث والنسل وخلفت قتلاً ودماراً شمل رقعة واسعة من الوطن، ومس شرائح وفئات واسعة من أبناء المجتمع، لينتج على خلفية ذلك ما سمي بــ “قضية صعدة” التي جعلها ذلك السياق السياسي الإقليمي والدولي الجديد – مع اعتبار واقع النظام السياسي المذكور آنفا – “قضية سياسية” في صورة واضحة خلفت الكثير من التداعيات الخطيرة على المستوى الإنساني والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي والأمني.
هناك كثير من اللبس والتشويش رافق مسار القضية منذ نشأتها، سواء من قبل منظومة الحكم حينها في محاولة خلق صورة نمطية مغايرة لواقع القضية وماهيتها، أو من قبل بعض وسائل الإعلام غير الرسمية من خلال التماهي والذوبان بقصد أو بدونه مع هذه الصورة الوهمية التي خرجت من رحم أجهزة النظام المخابراتية والإعلامية، حيث تجلى ذلك اللبس من خلال تعدد التفسيرات التي تُسوِّقها تلك الوسائل للقضية، كالتفسير الجهوي أو الطائفي أو الحقوقي المطلبي أو السيكولوجي النفسي! حيث يريد من ذلك البعض حرف القضية عن مسارها وعزلها عن واقعها التي نمت فيه وظهرت منه.
وما يجب التنبه له هنا ما يتعلق بالمصطلح وذلك أن ارتباط مفهوم القضية ” بصعدة ” هو على المستوى اللغوي والاستخدام الفني للغة لا على المستوى الموضوعي السياسي والأمني والاجتماعي الذي يتجاوز الدلالة المفهومية الأصلية لكلمة “صعدة”، وبالتالي مصطلح “صعدة” ليس محدداً جيوسياسياً لمجتمع القضية، وإنما يمتد إلى حيث يمتد الوجود السياسي والاجتماعي لأنصار الله في صعدة وخارجها، والتسمية إنما جاءت بمناسبة أن صعدة كانت الميدان الأول للحرب وعلى أرضها كان معظم العدوان، إلا أنه لم يقتصر عليها، حيث شمل محافظات أخرى كصنعاء وعمران والجوف وحجة.
فقضية صعدة وإن كانت قضية وطنية تهم كل اليمنيين إلا أنها ارتبطت في وجودها ونشأتها بوجود ونشأة أنصار الله والحروب التي شنت عليهم، وفي كل مراحلها وتطوراتها هم الطرف المعبِّر عنها في الحرب والسلم والمفاوضات، وهم الطرف المفاوض الرسمي والوحيد في مقابلة السلطة، فهي قضية لها علاقة ذاتية بأنصار الله يتوقف وجودها على وجود حاملها (أنصار الله) ويرتفع بارتفاعه، فهي من هذه الناحية على العكس من القضية الجنوبية التي نشأت لأسباب موضوعية تتعلق بالأرض، والحامل السياسي لها كل القوى والمكونات الجنوبية التي تتبناها.
وما يُطرح مِن زَعْم أن أنصار الله ليسوا هم المكون الوحيد في صعدة وبالتالي ليسوا هم الممثل أو الحامل السياسي الوحيد له غير دقيق – على فرض حسن النوايا – فالقضية ليست جهوية أصلا، كما أنه على اعتبار أن تداعياتها ونتائجها شملت آخرين غير أنصار الله فهذا يدخل في بند معالجة التداعيات (المحتوى)، وليس في تعريف أصل ومنشأ القضية وجذورها.
وعلى هذا الأساس يمكن تعريف قضية صعدة بأنها: قضية سياسية، بمعنى أنها في نشأتها تفسرها عوامل سياسية، أصولها تكمن في التركيبة البنائية للنظام والعقل السياسي المسيِّر له، وطريقته في إدارة البلاد وأسلوبه في إدارة الأزمات، ومعالجة التحديات وآليات اتخاذ القرار، واستراتيجيته التي يتبعها في التعاطي مع التأثيرات والمؤثرات الخارجية.
جذور القضية:
في معالجة القضية في جذورها يمكن مقاربتها على مستويين:
المستوى الأول: يعالجها في أسبابها المباشرة والموقفية، وذلك بالعرض الموجز لكيفية البداية لنشوء القضية وتطورها، وما المشكل الذي دفع بالسلطة لإعلان حربها الشاملة؟!
فبعد أن قطع دراسته بالسودان واستقر في بلدته مران، قرر السيد حسين بدر الدين الحوثي أن يتفرغ لتقديم مشروعه الإصلاحي التجديدي، الذي يعتمد النص القرآني كنص مركزي متجاوزا التقليدية والمذهبية، ولم يكن في مشروعه ما يتنافى مع المشروعية القانونية، كما لم يكن يعتمد أو يتبنى أي آليات أو أعمال عنيفة أو غير سلمية، حتى ضد الأطراف التي يهتف ضدها.
ولأن ذلك المشروع جاء بالتزامن مع أحداث سبتمبر والحرب الكونية التي قادتها الولايات المتحدة على ما أسمته بالإرهاب، كان من بين أهدافه الاستراتيجية ممانعة ورفض الهيمنة والوصاية التي أخذت تمارسها أمريكا على المنطقة واليمن، تحت يافطة مكافحة الإرهاب ونشر الديمقراطية مستغلة الشرعية الدولية التي انتزعتها تحت ضغط أحداث أيلول سبتمبر 2001م، لإعادة رسم خارطة المنطقة العربية والإسلامية وفقا لمصالحها.
تمثل نشاط السيد/ حسين في تقديم ذلك المشروع القرآني في إلقائه خطباً ومحاضرات كانت تسجل وتوزع في أشرطة كاسيت وأقراص CD وملازم مطبوعة وبصورة طبيعية، بالإضافة إلى ترديد شعار (الله أكبر – الموت لأمريكا – الموت لإسرائيل – اللعنة على اليهود – النصر للإسلام) في المناسبات والاجتماعات والمساجد، خصوصاً الجامع الكبير بصنعاء وجامع الإمام الهادي بصعدة بعد خطبتي الجمعة من كل أسبوع، ومقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية، كإعلان موقف من منطلق الشعور بالمسئولية أمام الله تجاه ما تصنعه أمريكا وإسرائيل بحق الشعوب العربية والإسلامية وعلى رأسها فلسطين، والرسالة التي أراد إيصالها من خلال ذلك الشعار: الإدانة الأخلاقية والسياسية لمساعي فرض الوصاية الأمريكية وتطويع الوعي العام اليمني والإسلامي عموما للقبول بها، وتحصين لوعي المجتمع من الاختراق وتطويعه لصالح المخططات والمشاريع الإستكبارية, وخلق رأي عام محلي ممانع .
يمكن القول بأن السيد/ حسين بدر الدين الحوثي ومن خلال ذلك المشروع القرآني في خضم ذلك الواقع بدا وكأنه يسير عكس التيار الذي كانت تسير فيه المنطقة من خضوع للهيمنة الأمريكية وخفوت الأصوات المناهضة لغطرستها وعنجهيتها، فالأنظمة الحاكمة في المنطقة كانت تحرص على إخماد أي صوت مناهض نزولاً عند الرغبة الأمريكية، والخشية من أن يحسب ذلك إخفاقاً من قبلها في تطبيع الوضع بما يخدم تلك الرغبة، نتيجة لواقعها البنيوي السياسي المشخصن في مصلحة خاصة بعيدة كل البعد عن مصلحة وطن وأمة، لذلك وبعد أن أخذ الشعار والأدبيات والملازم تنتشر بمعدلات ملفتة لفتت انتباه المنظومة الحاكمة وكل القوى المرتبطة بها لم يتوانَ النظام في صنعاء عن الوقوف بحزم وشدة أمام ذلك النشاط السلمي الذي كفله الدستور والقانون اليمني والأعراف والمبادئ الدولية، حيث مارس الاعتقالات التعسفية والتعذيب والمداهمات لمنازل المواطنين بحق كل من يردد الشعار ويسعى في هذا النشاط طوال عام ونصف قبل شن العدوان المسلح منتصف 2004م، حتى وصل عدد المعتقلين إلى ما يقارب 800 معتقل، بالإضافة الى الفصل والتسريح من الوظيفة العامة ومحاصرة المنشورات والأدبيات ذات العلاقة بخطاب السيد حسين بدر الدين الحوثي، بيد أن هذه الإجراءات العقابية لم تفلح في الحد من توسع هذا النشاط، بل إنها كانت تعطي مفاعيل عكسية فعمد النظام إلى التصعيد.
وما إن عاد الرئيس اليمني حينها من ولاية جورجيا الأمريكية بعد لقائه بالرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في قمة الدول الثماني حتى نزلت الحملة العسكرية إلى محافظة صعدة، وبشكل مفاجئ وغريب بدأت الآلة العسكرية اليمنية قصفها على منطقة مران وما جاورها في صباح يوم الأحد بتاريخ 18- 6- 2004م، ليدشّن بذلك حرباً عدوانية طالت كل مقومات الحياة، في ظل صمت محلي ودولي رهيب!! وتعتيم إعلامي مدروس تجاه الانتهاكات والجرائم البشعة التي ترتكب بحق أبناء المنطقة، مما ينم عن تواطؤ إقليمي ودولي يدل على حجم المؤامرة، ويكشف زيف ادعاءات الديموقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير.
لم تخفِ الإدارة الأمريكية ضلوعها في هذه الحرب الآثمة عندما نشرت سفارتها في اليمن وبعد أن طالت الحرب بلاغاً صحفياً دعت فيه اليمنيين بالوقوف مع النظام في حربه في محافظة صعدة.
دشنت السلطة وعبر وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية التابعة لها تلك الحرب بالتّهم الباطلة والشائعات والأكاذيب كــــ }ادعاء النبوة – الإمامة – العمالة للخارج – زواج المتعة – التشيع – الخروج عن طاعة ولي الأمر- الردة – التآمر على الوطن – قطع الطرقات – الإرهاب – رفع علم دولة أجنبية – سب الصحابة{، كل ذلك بهدف إضفاء الطابع الشرعي على تلك الحرب الظالمة، ومحاولة التشويش على دوافع العدوان الحقيقية.

المستوى الثاني: الجذور البنائية
يتمثل الجذر البنائي لقضية صعدة في فشل مشروع الدولة المؤسسية، ومركزة الحكم في العصبويات داخل منظومة النظام، وضرب مرتكزات الدولة، واستهداف مؤسساتها وتعطيل وظائفها ، وتحويلها لواجهات ديكورية ، وتعطيل العدل ، وتبني آليات الدولة البوليسية، واعتماد الحرب ضمن آليات إدارة البلاد ، والتملك الذاتي للبلاد والعباد والسلطة والثروة والقوة ، وتسخيرها لخدمة مصالح دوائر النفوذ.
ويتمثل أيضا في عدم وجود ضوابط وقيود قانونية ومؤسسات وآليات تتسم بالفاعلية والشرعية لإدارة الصراعات الاجتماعية وحلها ، والحيلولة دون استفحالها ، وتقويض الشرعية القانونية والدستورية ، واستبدال الدولة كمشروع وطني مؤسسي ببنى تقليدية بالية ما قبل دولتية . مع إعطائها صبغة سياسية مؤسساتية حديثة شكلية ، وتمييع وتعطيل وظائف الدولة وأجهزتها الإدارية والقضائية ، وربطها بشخوص النظام المتنفذة ، ما جعل القانون عاجزا عن تحقيق العدل الاجتماعي ، وعطل سيادة القانون لجميع أطراف المعادلة الوطنية ، وغيب الضمانات القانونية اللازمة لحماية حقوق المواطنين وحرياتهم واحترام آدميتهم ، والاستخدام غير القانوني للقوة، فأصبح النظام أكثر شراسة في التعامل مع المواطنين والقوى السياسية المعارضة، خاصة تلك الفئات التي لا تتمتع بالحماية القبلية في مجتمع تعد القبيلة من أكثر العناصر السياسية والاجتماعية فاعلية فيه.
ويتمثل أيضا في وجود قضاء مُسَيَّس خاضع للسلطة التنفيذية والرئيس بشكل خاص ، وغياب الضوابط الدستورية لاستخدام القوة والمؤسسات الوسيطة الفاعلة أصبح العنف ظاهرة عامة ومفضلة في إدارة الصراعات.
وفي غياب الرؤية السياسية الوطنية والقدرة على التعامل مع التحديات والأزمات السياسية والاجتماعية والثقافية من منظور وطني ، واعتماد تكتيكات ظرفية لا تهدف إلا إلى إعادة إنتاج منظومة الحكم ، فالنظام كان يعتقد أنه ربما قد يحقق من خلال ورقة صعدة بعض مكاسب سياسية تكتيكية لها علاقة بالصراع على خلافة الحكم بين أجنحة النظام المتصارعة , واسترضاء أطرافا إقليمية ودولية ، إلا أن الأمور تطورت على خلاف رغبته ، فهو من البداية أخطأ في تقدير حساباته لأبعاد القضية ، وما قد يكون لها من مئآلات اجتماعية وسياسية واقتصادية ودينية ، نتيجة أنه لا يمتلك معلومات دقيقة عنها ، والمعلومات التي كان يتلقاها من أجهزته الاستخباراتية ومن الحرس القديم (المشايخ) الذين كانت تعتمد عليهم السلطة كانت مظلِّلة ، وتأتي تنفيذا لرغبات نفسية وتصفية حسابات شخصية. وقد أقر تاجر السلاح المعروف الشيخ فارس مناع في مقابلة مع صحيفة الوسط أن الأجهزة الاستخباراتية مسئولة عن الإضرار التي لحقت بصعدة ، واتهمها بأنها كانت ترفع تقارير مظلِّلة , كما يرتبط بآليات صنع القرار في الأنظمة التي تتسم بالمزاجية والانفعالية والارتجالية والتقديرات الذاتية الخاطئة , ولذلك كان إعلان النظام للحرب مفاجأ للشارع اليمني والنخب السياسية حتى داخل النظام نفسه !! فلم يكن ثمت ما يوحي بوجود أزمة. والتأمل في طبيعة الأزمة عند بدايتها يؤكد أنها لم تكن الخيار الوحيد الممكن ، بل لم يكن يتوفر على الحد الأدنى من المبررات لإرسال طقم عسكري فضلا عن حملة عسكرية بقيادة الجنرال على محسن رجل الحرب الأول في نظام صالح ، وبإشراف مباشر من الأخير نفسه ، وبالتالي فشل النظام في تقديم مبررات تقنع كثيرا من القوى السياسية والمدنية في خلق التفاف شعبي مناهض لأنصار الله وعلى العكس فشعور المجتمع خاصة في صعدة بعدوانية الحرب ومظلومية أنصار الله خلق اصطفافا مجتمعيا متزايدا من حولهم ومنحهم غطاء شعبيا.
ولأن النظام لم يعد يكترث للمشروعية القانونية اللازمة للتأييد المجتمعي اكتفى باختلاق عدد من التخرصات افتراها على أنصار الله ، وتحول مباشرة إلى المؤسسة العسكرية لتسوية الخلاف بعد إعادة بنائها بناء غير وطني ، واعتماد معايير الولاء الشخصي والحزبي مما أدخلها تحت الإمرة المباشرة ، وساعد ذلك على التقاسم العصبي والتملك الذاتي لها من قبل رموز النظام ، وتحولت وظائفها الدستورية من حماية الشعب والوطن إلى الصراعات السياسية ، وتصفية خصومهم السياسيين.
وإقحام الجيش من البدايات الأولى للحرب الظالمة في مخالفة صريحة للقانون – لأن مهمة الضبط على افتراض وجود مسوِّغ قانوني من اختصاص أجهزة الشرطة – واستخدام الأسلحة الثقيلة بكل أنواعها ، واختيار الجنرال محسن المعروف بميوله الايدولوجية وعدائه الشديد للزيدية , كل ذلك يدل دلالة واضحة على وجود نوايا استئصالية ضد هذه الجماعة .
وفي خطوة تعكس التآكل الذي لحق بمشروع الدولة عمد النظام إلى وسائل بدائية في حربه على أنصار الله ، بتوظيف الثقافة القبلية وأيديولوجيا التناصر العصبي ، والتحشيد القبلي على أساس عصبوي قبلي وعرقي ، والإغراءات بالفيد والسلب والنهب والمكافآت والوظائف والتجنيد والمناصب. ففي حرب صعدة كان الشيخ عبد الله الأحمر بإيعاز من الرئيس قد أطلق ما يسمى في الأعراف القبلية (بالنكف) دعا فيه مشائخ صعدة بداعي القبيلة إلى مساندة النظام ضد أنصار الله ، وأخرى باللجوء إلى فقه الفتوى وحلاله محل القانون واستخدام رجال الدين لإصدار الفتاوى اللازمة حسب الطلب ، كالبيان الذي أصدرته جمعية علماء اليمن في 20/2/2007م والذي وصف أنصار الله بالفئة الضالة ، وأوصى بضرورة استئصال الفتنة أو الحوثية – حسب وصفها – من دابرها ، وهو سلوك لا ينتمي لثقافة الدولة ولا يمت بأي صلة لسلطة القانون ، وتعكس افتقار الحرب للشرعية القانونية ، فضلا عما له من آثار مدمرة على وحدة المجتمع وتفكك نسيجه الاجتماعي.
ولتأثر سياسات النظام بالإملاءات الخارجية – حيث اشتهر النظام اليمني بضعف ممانعة النفوذ الخارجي – وأتت المشاركة المباشرة للسعودية في الحرب لتكشف عن الترهل الذي لحق بالسيادة الوطنية لليمن ، وقضية صعدة لا يمكن فهمها بشكل واضح بعيدا عن صراعات المحاور الإقليمية والبيئة السياسية الدولية التي أفرزته أحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001م. ففي رده على سؤال صحيفة الوطن العربي (30/9/2006) أوضح الهتار – وكان حينها وزيرا للأوقاف – أن “شعار الموت لأمريكا “أحرج الحكومة اليمنية في ظل الظروف العالمية والتوتر الذي تعيشه المنطقة. وكان السقوط السهل لأفغانستان ومن بعدها العراق بيد الاحتلال الأمريكي وسقوط نظام صدام حسين – قبل أن تغرق في مستنقعهما يغري الولايات المتحدة في المضي نحو شرق أوسط كبير ، الأمر الذي ارتعدت لها فرائص الزعماء العرب وهرعوا إلى استرضاء العم ( سام )، حينها قال الرئيس السابق ” إذا حلق ابن عملك بَلَّيت “وقال : يجب أن نحلق لأنفسنا قبل أن يحلق لنا الآخرون ” وعمل على ترجمتها بتعزيز علاقته بالولايات المتحدة ومحاولة استرضائها !!
وأثناء ذلك كان النظام يتعمد تغذية التناقضات الاجتماعية ، واستحياء النزاعات والانقسامات الجهوية والطائفية والثارات السياسية ، وزرع ثقافة الخصام وإشاعة حالة من عدم الاستقرار ، بحسبان أنها تضمن بقاءه بعيدا عن استجرار الموروثات الاجتماعية التاريخية للصراعات العصبوية العرقية والطائفية.
مما سبق يتضح بأن ذلك النظام لم يكن يتعامل مع هموم الشعب وقضاياه بروح وطنية مسئولة ، ولم يكن بمعزل عن التجاذبات الإقليمية والدولية في بلورة طبيعة العلاقة القائمة بينه وبين شعبه التي يُكَيِّفها على حساب مصلحة الوطن ، وأن التأثر بتلك التجاذبات بلغ أَوْجَهُ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001م والتي مثلت منعطفاً فارقاً ، دخل بموجبها العالم عموماً والمنطقة خصوصاً مرحلة جديدة دشنت بها الإدارة الأمريكية مشروعها التآمري على المنطقة تحت مسمى [ الشرق الأوسط الكبير ومن ثم الجديد] الذي تبنته صراحة حين أعلن الرئيس الأمريكي حينها “جورج بوش ” عن عزم الإدارة الأمريكية رسم خارطة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط ، والتي تهدف إلى إعادة صياغة المنطقة جغرافياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً وحضارياً ، وإقامة ترتيبات أمنية وسوق مشتركة إقليمية لخدمة الأهداف والمصالح الأمريكية والصهيونية في المنطقة ، والأهم من ذلك إعادة الصياغة الثقافية والفكرية وخلق وعي جديد لدى شعوب هذه المنطقة يتماشى مع ما يخدم ذلك المشروع ، الأمر الذي شكل خطراً على شعوب المنطقة أرضاً وفكراً وانساناً ، كل ذلك تحت ذريعة [مكافحة ما يسمى : الإرهاب]، ودعوى نشر الحرية والديمقراطية ، وإزالة الأنظمة الدكتاتورية وأسلحة الدمار الشامل ، ومحاربة القرصنة.
سارع زعماء الأمة العربية والإسلامية ومنها اليمن حينها في تقديم أنفسهم وجيوشهم أداة لإخماد أي صوت أو غضب أو موقف مهما كان بسيطاً في مواجهة هذا المخطط الأمريكي الصهيوني ، كل ذلك حماية لعروشهم التي صارت تمثل وجودهم وحياتهم ، وهكذا كان حال منظومة الحكم في اليمن التي كانت في مقدمة هؤلاء المسارعين ، فكان أولى نتائج هذا التماهي والذوبان من قبل أنظمة الحكم في المنطقة هو سقوط كل من أفغانستان والعراق تحت وطأة الاحتلال الأمريكي بعد غزو همجي على مرأى ومسمع من العالم ، خلَّف الملايين من الضحايا بالإضافة إلى زيادة التدخلات في الشئون الداخلية لدول المنطقة ، والتحكم بقراراتها السياسية وفرض وصايتها عليها.
وفي هذا الواقع العصيب تحرك السيد حسين بدر الدين الحوثي في مشروع قرآني ذي طابع نهضوي إحيائي ، هَدَفَ لاستصلاح حال الأمة ، بحيث يصبح الفرد حراً ومسؤولاً عن حاضره ومستقبله وقضايا أمته ووطنه ، قادراً على تحمل مسؤوليته في مناهضة وممانعة قوى الاستكبار العالمي ، ولم يكن لذلك النشاط أي امتداد أو لم يكن تحت أي إطار لأي نشاط زيدي سابق إن صح التعبير كالشباب المؤمن ؛ لأنه تجاوزها بكثير ، متحرراً من منهجيتها التقليدية ومن أي أطر مذهبية أو طائفية أو جهوية .
وهو النشاط الذي أثار مخاوف قوى محلية سياسية واجتماعية وأخرى إقليمية ودولية تعددت دوافعها وأسباب تخوفاتها والتقت جميعها في الرغبة في التخلص منه ، تطورت في 2004م إلى عدوان مسلح بعد إعلان السلطة الحرب ، والتي كان لها الكثير من الإفرازات على كل المستويات.
المحددات الاجتماعية للقضية:
من أكثر الأمور التي حصل فيها كثير من اللبس والخلط والذي برز بشكل ملفت في قراءات العديد ممن حاولوا تشخيص القضية هو تناولها من منطلق عوامل ومحددات هي في الحقيقة لم تكن سبباً في ظهور أنصار الله ونشوء القضية بشكل مباشر ، وإنما عملت كمحفزات بعد ولادتها كونها كانت البيئة التي وَجَدَت القضيةُ نفسَها فيها ، تلك البيئة التي أفرزتها سياسات النظام العبثية، سواء في التعامل مع التنوع المجتمعي والفكري القائم في البلد ؛ الأمر الذي جعل البعض ينظر إلى القضية من زاوية مذهبية ويفسرها تفسيراً طائفياً ، أو في التسبب وبشكل متعمد بجعل الحالة المعيشية للأغلبية الساحقة من أبناء الشعب متدنية ، في ظل غياب للخدمات العامة ، ومصادرة للحقوق والحريات على مستوى جميع المحافظات ، جعلت آخرين يعتبرونها قضية حقوقية خالصة ، بينما في الحقيقة أن ذلك كله إنما مَثَّل بيئة نشأت في ظلها القضية ، بحيث تفاعلت معها في ظل استمرار تلك السياسة ، وبنفس العقلية من قِبَل النظام السياسي في البلد ، مما يعني أن تلك البيئة هي في الأساس نتجت عن عوامل سياسية بحتة ، كان من الممكن أن تغيب في إطار نظام مؤسسي وطني يهمه مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات.
ويمكن أن نوجز بعض تلك المحددات في التالي:
– غياب العدالة الاجتماعية وانتهاج سياسة الإقصاء والتهميش وعدم القبول بالآخر.
– طريقة النظام السلبية في التعامل مع التنوع الفكري القائم ، واستثمار المقدس الديني بطريقة نفعية وانتهازية تدميرية .
– استيراد فكر غريب على اليمنيين ، وتسخير كل مؤسسات الدولة في محاولة فرضه ، في ظل مصادرة لحرية الفكر والتعبير.
– فشل الأنظمة المتتابعة في اليمن الجمهوري في إدارة عملية التحول والتغيير بحيث تم إقصاء واستهداف المكون الزيدي ، والتعامل مع فئات بعينها خارج إطار حقوق المواطنة.
– الخطاب السياسي المشحون بالعنف والكراهية والتبخيس ووصم الشرف الوطني لذلك المكون.
– غياب المشاريع الخدمية والتنموية في بعض المحافظات مقارنة بمحافظات أخرى.
– مصادرة الحقوق والحريات وعلى وجه الخصوص شرائح مجتمعية معينة.
والحمد لله رب العالمين .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *