1367264111

*جلال الجلال

 في الصفحة الرابعة لرؤية ممثلي الحوثي المقدمة إلى فريق ‏بناء الدولة في مؤتمر الحوار الوطني فيما يتعلق بهوية الدولة، وجه الحوثيون سهامهم نحو الإسلام؛ فقد جاء في رؤيتهم كما ‏في البند رقم 3 هذه العبارة: ‏”نرى أن الدولة هي شخص معنوي والشخص المعنوي ليس له دين، فالدين للأشخاص ‏الطبيعيين الذين يتكون منهم الشعب ومن ثم فإن الدين للشعب”.‏

 وهذه العبارة لا تحتاج إلى تفسير، وبدت أنها تنتقد ما ورد في رؤى أغلب المكونات، من أن ‏‏”الإسلام دين الدولة” وتستنكر أيضاً وجودها في الدستور الحالي.

وكانت هذه الرؤية من إعداد ‏‏الدكتور الحوثي/ أحمد شرف الدين أستاذ الدستور والقانون في كلية الشريعة والقانون في ‏جامعة صنعاء لعقود.‏

 وهذه الرؤية تتناقض تناقضاً واضحاً مع شعارهم المرفوع “النصر للإسلام” الذي لا يريدون ‏أن يكون دين الدولة!!!!.‏

ولكننا هنا سوف نفند هذه الشبهة حول دين الدولة لأسباب:‏

‏1. كونها جاءت من رجل له وزن علمي عند الناس في القانون الدستوري وهو الدكتور ‏الحوثي/ أحمد شرف الدين.

‏2. وكون هذه الرؤية محاولة من الحوثيين استرضاء الغرب للسماح لهم ببناء دولتهم في ‏صعدة؛ كونهم دعاة الدولة المدنية بالمفهوم العلماني كنوع من بيع الإسلام من أجل الدولة ‏والحكم.‏

 وللرد على هذه الشبهة في أن الدولة لا دين لها كونها شخصية اعتبارية معنوية نقول:‏

أولاً: إذا رَأَيْتَ “دولة” تتوضأ، وتُصلِّي خمس مرَّات في اليوم، وتصوم رمضان، وتُخْرِج ‏زكاة أموالها وتَحُجُّ البيت، فعندئذٍ، وعندئذٍ فحسب، يُمْكِنكَ أن تقول “إنَّ لها ديناً، وإنَّ دينها ‏الإسلام”. عند الحوثيين!!!!.‏

 إن مفهوم “الدولة” عند الحوثيين يعتريه فساد (أو خلل) منطقي في مفهومهم للدولة، فالدولة ‏تعني كما هو معروف: (سلطة وشعب وأرض) مما يعني أن الشعب كشخص غير اعتباري ‏من مكونات الدولة والشعب له هوية دينية ولذلك تذكر هويته كهوية للدولة في الدستور.‏

 ثانياً: يبدو أن الحوثيين يتجاهلون أن هناك مصطلحاً في الفقه الإسلامي يسمى بـ”دار ‏الإسلام” وهو في معناه الجوهري شخص معنوي، ومع ذلك فهوية الدار في هذا المصطلح دين ‏وهو دين الإسلام .. لماذا؟ لأن السلطة العليا والحاكمية العليا في تلك الدار لأحكام الإسلام ‏ولأنها تمثل هوية ساكني تلك الدار.‏

وعليه فإن الدار التي تعتبر شخصاً اعتبارياً لها هوية في الفقه الإسلامي مذكورة في كتب ‏الفقه المختصة بذلك.‏

ويقاس على مثل ذلك الدولة كشخص اعتباري لها هوية دينية.‏

 ثالثاً: في الدول الغربية ما يزال الدين هو الذي يمثل الهوية للدولة في دساتيرها مع ‏علمانيتها!!!‏

 لاحظ معي نصوص الدساتير للدول الغربية التالية:‏

‏1. ينص دستور دولة الدنمارك في القسم الرابع على أن “الكنيسة الإنجيلية اللوثرية هي ‏الكنيسة المعترف بها من قبل دولة الدنمارك، وعليه ستتولى الدولة دعمها”.‏

‏2. كما ينص دستور دولة النرويج في المادة الثانية على أن “الإنجيلية اللوثرية ستظل الدين الرسمي للدولة، ويلتزم السكان المعتنقون لها بتنشئة ‏أولادهم بموجبها”.‏

‏3. وفي أيسلندا، تنص المادة 62 من الدستور على‏ أن “الكنيسة الإنجيلية اللوثرية هي كنيسة الدولة، وبموجب هذا ستظل هذه الكنيسة مدعومة ‏ومحمية من قبل الدولة”.‏

‏4. وفي المملكة المتحدة أقر البرلمان مختلف النظم الأساسية التي تعد القانون الأعلى ‏والمصدر النهائي للتشريع أي الدستور القانوني، ومما جاء حول كنيسة إنجلترا: ‏”إن كنيسة إنجلترا هي الكنيسة المعترف بها، وإن ملك بريطانيا -بحكم منصبه- هو الحاكم ‏الأعلى لكنيسة إنجلترا”، والملك يلزمه طبقاً لقانون التسوية بأن “ينضم كنسياً لمجتمع كنيسة ‏إنجلترا”.‏

وكجزء من مراسم التتويج، يُطالب الملك بأن يؤدي القسم “بالحفاظ على التسوية المبرمة مع ‏كنيسة إنجلترا، وأن يحفظها بدون خروقات، كما يحفظ العقيدة، والشعائر، والنظام الذي ‏يتضمن الحكومة، وذلك بموجب القانون الذي تم إقراره في إنجلترا”، وذلك قبل التتويج بواسطة الأسقف الأعلى للكنيسة رئيس أساقفة كانتربري.‏

‏5. وفي أسكتلندا حيث “الكنيسة المشيخية” المعترف بها رسمياً: “يؤدي العاهل الجديد القسم ‏في مجلس اعتلاء العرش، ويقسم جميع رجال الدين في الكنيسة يمين الولاء للعاهل قبل توليه ‏منصبه”.‏

 ‏6. وفي اليونان الأرثوذكسية، ينص الدستور في المادة الثالثة، من القسم الثاني على:‏

أ‌- أن الديانة السائدة في اليونان هي ديانة كنيسة المسيح الأرثوذكسية الشرقية .. والكنيسة ‏الأرثوذكسية اليونانية، والتي تقر بأنه على رأسها يسوع المسيح، تتحد في مذهبها مع كنيسة ‏المسيح العظمى في القسطنطينية، كما تتحد مع كل كنيسة تتبع نفس المذهب بقدر ما يلتزمون ‏بذلك، وكذلك الكرسي الرسولي والشرائع والتقاليد المجمعية المقدسة، وهي كنيسة مستقلة ‏يديرها المجمع المقدس لخدمة الأساقفة والمجمع المقدس الدائم، المنبثقان عنها، والذي يجتمع ‏على النحو المحدد في الميثاق القانوني للكنيسة، المتمثل للمرسوم البطريركي للبطريرك ‏‏«تومي» الصادر في 29 يونيو سنة 1850م، والقانون الخاص بالمجلس الكنسي الصادر في ‏سبتمبر سنة 1928م.‏

ب‌- ولن يعتبر النظام الكنسي الموجود في مناطق معينة من اليونان مناقضاً للأحكام الواردة ‏في الفقرة السابقة.‏

ج‌- ويجب الحفاظ على نص الكتاب المقدس دون تحريف، وتحظر الترجمة الرسمية للنص ‏لأي صيغة لغوية أخرى دون موافقة مسبقة من الكنيسة المستقلة لليونان، وكنيسة المسيح ‏العظمى في القسطنطينية.‏

‏7. وفي الأرجنتين الكاثوليكية، ينص الدستور -في القسم الثاني– على أن “الحكومة الاتحادية تدعم الديانة الرومانية الكاثوليكية”.‏

‏8. وفي السلفادور الكاثوليكية، ينص الدستور -الصادر سنة 1983م، والمعدل سنة 2003م‏‏- في المادة 26 على أن “الشخصية القانونية للكنيسة الكاثوليكية موضع اعتراف، ويجوز للكنائس الأخرى ‏الحصول على اعتراف بشخصيتهم بما يتوافق مع القانون”.‏

‏9. وفي كوستاريكا الكاثوليكية، تنص المادة 75 من الدستور على أن “الكاثوليكية الرومانية الرسولية هي دين الدولة، وهي تساهم في الحفاظ على الدولة، دون ‏أن يمنع هذا من حرية ممارسة شعائر أي أديان أخرى في الجمهورية، طالما أن هذه الديانات ‏لا تتعارض مع الأخلاق المتعارف عليها أو العادات الحميدة”.‏

‏10. وفي المكسيك، تنص الفقرة الثالثة من المادة الأولى على: ‏”دين الأمة المكسيكية هو، وسوف يكون على الدوام: الكاثوليكية الرسولية، وستقوم الأمة ‏بحمايته بموجب قوانين حكيمة وعادلة، وتمنع ممارسة غيره من الأديان أياً كانت”.‏

تلك عشرة نماذج -وهي مجرد نماذج- لدول مسيحية غربية، تمثل مذاهب المسيحية ‏البروتستانتية والأرثوذكسية والكاثوليكية، تنص دساتيرها على دين الدولة كهوية، بل وعلى ‏مذهب هذا الدين، وعلى دعم الدولة للكنيسة والدين، رغم أن المسيحية تدع ما لقيصر لقيصر، ‏وتعلن أن مملكة المسيح ليست في هذا العالم، وإنما في ملكوت السماء!.‏

 ومع كل ذلك، فإن رؤية الحوثي لهوية الدولة والدكتور الدستوري أحمد شرف الدين لم يروا ‏كل هذه “الأخشاب” التي تمتلئ بها عيون الدول الغربية، ولم ترَ سوى النص الدستوري اليمني ‏الذي يقول: إن الإسلام هو دين الدولة.‏

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* رئيس دائرة العلاقات الخارجية بحزب اتحاد الرشاد اليمني

بواسطة : جلال عبد القدوس الجلال

شاهد جميع مقالات

مقالات ذات صلة

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك المُفضل