images (4)

السؤال الذي تتعنون به هذه السطور، يخطر على بالي كلما قرأت مقالا اوتعليقا، او سمعت حوارا او مداخلة لاحد سدنة العلمانية واليساريين العرب عموما والمصريين خصوصا، ولولا خشيتي من مزيد من الاطالة في العنوان لقلت «مدعي العلمانية والليبرالية العرب»، فاضافة كلمة «مدعي» اضافة مهمة تكشفها وتؤكدها متابعة الاداء السياسي والاعلامي لمن يطلق عليهم لقب «قياديين» كما هو الحال بالنسبة للمعارضة المصرية وعلى رأسها ما تسمى بجبهة الانقاذ الوطني.

في محاولة البحث عن اجابة للسؤال فإن الاستخلاصات الشخصية خصوصا لمن هو متهم بالميول الإسلامية – وهي تهمة لا انفيها بالطبع – لا تشكل دليلا، ومن ثم فإن الوقائع الثابته تبقى افضل اجابة على هذا السؤال.

من الوقائع الثابتة، ان ثورات الشعوب في كل من تونس ومصر وليبيا، انما هبت ضد حكام لا علاقة لهم من قريب او بعيد بتيارات الاسلام السياسي، فلم يسقط التونسيون بعد ثلاثة وعشرين عاما من البوليسية الشيخ السلفي زين الدين بن علي، ولا اطاح المصريون بعد ثلاثين عاما من القمع والفساد بعضو مكتب الارشاد حسني مبارك، ولا قتل الليبيون بعد اربعين عاما من الدم والدمار القيادي بالجماعة الإسلامية معمر القذافي، اي ان ثورات الشعوب في الدول الثلاث انما كانت ضد رؤساء يعتنقون العلمانية في ابشع صور عدائها للدين، وقد شكلت الرغبة في الحرية والديمقراطية قاسما مشتركا عظيما بين اسباب الثورات في الدول الثلاث، وهو نفس السبب الذي يناضل الشعب السوري من اجل تحقيقه بدمه منذ نحو عامين.

وقائع التاريخ تخبرنا ايضا ان العلمانيين الذين يدعون الليبرالية والدفاع عن الحريات، والنضال من اجل سيادة ارادة الشعب، هم من انقلبوا على حق الشعوب في الاختيار عبر ارادتهم الحرة، في اكثر الانتخابات نزاهة في العالم العربي.. ففي السادس والعشرين من ديسمبر عام 1991 فازت جبهة الانقاذ الإسلامية في الجولة الأولى للانتخابات التشريعية الجزائرية بـ188 مقعدا من أصل 380 هي عدد مقاعد المجلس الشعبي الوطني، وهو ليس مجرد فوز وانما هو اكتساح انتخابي، ذلك لأن جبهة القوى الاشتراكية التي حازت على المركز الثاني انما تحصلت فقط على 25 مقعدا.

ولأن الشعب الجزائري لفظ العلمانيين واليساريين ومنح الاغلبية لنواب إسلاميين، فقد حل الرئيس الجزائري آنذاك الشاذلي بن جديد البرلمان بعد اعلان نتيجة الانتخابات بأقل من عشرة أيام وتحديدا في الرابع من يناير عام 1992وبعدها بيومين استقال الشاذلي من الرئاسة وألغى الجيش نتائج الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية وانقلب على الديمقراطية ولم يسمح لحكومة جبهة الانقاذ الإسلامية بأن تتشكل، ودخلت الجزائر في نفق الارهاب المظلم لسنوات طويلة، ربما لم تتعاف من أثره حتى الآن.

بعد هذا التاريخ بأكثر من خمسة عشر عاما، وتحديدا في يناير عام 2006، جرت الانتخابات التشريعية الفلسطينية باشراف نحو تسعمائة مراقب أجنبي يرأسهم الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، وهي الانتخابات التي بلغت نسبة التصويت فيها 77.69% في جميع الدوائر الانتخابية ووصفت بأنها الأنزه في تاريخ المنطقة بأثرها. وفي هذه الانتخابات فازت قائمة التغيير والاصلاح المحسوبة على حركة المقاومة الإسلامية «حماس» بـ (76) مقعداً في المجلس التشريعي وبذلك شكّلوا ما نسبته 57.6% من أعضائه.

ومع اختلاف الطريقة والأسباب فقد لقي فوز الإسلاميين في انتخابات فلسطين، مصير اكتساح الإسلاميين لانتخابات الجزائر، وحرمت حماس من تشكيل الحكومة رغم أن نوابها وصلوا الى المجلس التشريعي بارادة شعبية حرة ونزيهة باعتراف وشهادة الغرب الذي تآمر هو نفسه لاقصاء أصحاب الحق عن ممارسة حقهم، وكان من نتاج هذا الانقلاب الغربي على الديمقراطية الانقسام السياسي والجغرافي في فلسطين.

نفس الانقلاب العلماني واليساري حدث في مصر ولكنه لم يكن بدعم عسكري ولا غربي كسابقيه وانما كان انقلابا علمانيا بدعم قضائي هذه المرة، اذ وفي سابقة تاريخية قضت المحكمة الدستورية بحل اول مجلس للشعب بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، اختير نوابه في انتخابات هي الانزه منذ ستين عاما على الاقل، وذلك بداعي عدم دستورية قانون الانتخابات، وبعيدا عن ان الحكم كان الاسرع في تاريخ المحكمة التي كانت تستغرق نحو عشر سنوات في نظر مثل هذه القضايا، فإن الطعن الذي قدم لها بشأن الانتخابات كان خاصا بالمقاعد الفردية التي تشكل ثلث مقاعد البرلمان فقط، ومع ذلك ولأن الشعب المصري اختار اغلبية النواب من ذوي الاتجاهات الإسلامية – اكثر من 75 % من النواب كانوا إسلاميين – فقد تم حل المجلس كله، ومازال الانكار العلماني للديمقراطية والكفر بها يتكرر ايضا في محاولات الانقلاب على نتائج الانتخابات الرئاسية المصرية، لا لشيء الا لأنها اتت برئيس إسلامي.

بالتأكيد لا يمكن القطع بأن العلمانيين واليساريين العرب لا يؤمنون بالديمقراطية، لأن كفرهم بها مرهون فقط بأن تكون نتائجها في صالح الإسلاميين.. لذلك يرفعون دوما شعار «الديمقراطية ان احكم انا».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن صحيفة الوطن القطرية

بواسطة : مختارات

شاهد جميع مقالات

مقالات ذات صلة

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك المُفضل