alqadasy

ضوابط العمل السياسي ([1])

مراد بن أحمد القدسي ([2])

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على رسولنا الأمين, وعلى آله وصحبه أجمعين, ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وبعد:

فعند مشاركة أبناء الدعوة السلفية في العمل السياسي عليهم أن يراعوا ضوابط هذا العمل، وأنها مسؤولية جسمية، مع ضرورة الحفاظ على منهجهم، ولذلك أضع بين أيدي إخواني بعضاً من ضوابط العمل السياسي والتي تتمثل في:

1) أن يكون العاملون في العمل السياسي مؤمنين تمام الإيمان بالعقيدة الإسلامية والشريعة الإسلامية المنبثقة عنها، قال الله تعالى: ((وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)) [آل عمران:85], وبالإسلام منهاج حياة، قال تعالى: ((إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)) [آل عمران:19]. ([3])

2) أن يكون الالتزام بالحق، هو البديل عن الالتزام الحزبي الذي تقرره كثير من الأحزاب اليوم، فالذي يحكم القرار، والاختيار والتوجه هو الحق والمصلحة، وليس مجرد الانتماء إلى الحزب، أو الانتساب إلى تكتل سياسي بعينه، فهذا يمثل في ميزان الشرع جريمة منكرة، وهو نوع من العصبية الجاهلية([4])، قال صلى الله عليه وسلم :{من نصر قومه على غير الحق, فهو كالبعير الذي رُوي, فهو ينزع بذنبه}.

3) الإقرار بالحاكمية لله تعالى في جميع نواحي الحياة وجزئياتها, ونفرده بذلك سبحانه عما سواه، قال تعالى: ((إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ)) [يوسف:40].

4) أن تكون غاية العمل السياسي إقامة الشريعة, والمحافظة على استمرار تطبيق الشريعة الإسلامية في كل شؤون الحياة, قال تعالى: ((الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ )) [الحج:41].

5) العمل على تحقيق المصالح العامة للأمة, ودفع المفاسد عنها, وبذل الجهد في ذلك، وأن تكون هذه المصالح بمثابة الإطار الجامع الذي يتفق الجميع على دعمه, ولا يمنع التفاوت فيما وراء ذلك من الأساليب من تماسك كافة هذه الفصائل والتقائها جميعاً في هذا الخندق الجامع. ([5])

6) المحافظة على وحدة الأمة والبلاد ومن وراء ذلك الأمة الإسلامية،إذ تمثل الوحدة صمام الأمان في علو شأن الأمة وقوة شوكتها ومجابهتها لأعدائها,قال تعالى: ((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرّقُوا)) [آل عمران:103]،فدون ذلك تشرذم الأمة وذهاب ريحها، قال تعالى: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)) [الأنفال:46]

7) إحسان الظن بالآخرين عند النظر إلى أعمالهم ومواقفهم: فلا ينبغي أن يكون سلوك المؤمن واتجاهه قائماً على تزكية نفسه واتهام غيره, وهذا الأمر يعد من المبادئ الأخلاقية المهمة في التعامل مع الآخرين.

وإن سوء الظن من خصال الشر التي حذر منها القرآن والسنة, فالأصل حمل المسلم على الصلاح, وألا تظن به إلا خيراً, وأن تحمل ما يصدر منه على أحسن الوجوه وإن بدا ضعفها, تغليباً لجانب الخير على جانب الشر, والله تعالى يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)) [الحجرات:12], والمراد ظن السوء الذي لم يقم عليه دليل حاسم.

8)  التناصح والتواصي بالخير مع كل غيور ومصلح في هذا البلد،حتى تكون الأمة قوية موحدة لا تفرقها الوسائل المتباينة في خدمة الإسلام, والله تعالى يقول: ((إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)) [العصر:3]،ويقول النبي صلى الله علية وسلم: { الدين النصيحة}([6]).

وكذلك ينبغي احترام الرأي المخالف, وعدم اللمز والتعيير على الآخرين, إذا اختلفوا معه في الفروع الاجتهادية, فلكل مجتهد نصيب،إذ الإنكار والتشنيع عليهم وإيذاؤهم بذلك يورث التفرق والاختلاف، ويجب الإنكار بكل الطرق السلمية على من يقع في المخالفة للأمور القطعية والثوابت الشرعية.

9) الحوار بالتي هي أحسن،وهذه من الدعائم الأساسية في أدب الاختلاف، وهو ما أمر تعالى به في كتابه حين قال: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [النحل:125]. فالقرآن يطلب اتخاذ أحسن الطرائق وأمثلها للجدال,أو الحوار حتى يؤتي أُكله؛ ومن هذه الطرائق، أو الاساليب: أن يختار المجادل أرق التعبيرات وألطفها في مخاطبة الطرف الآخر،ولهذا استخدم القرآن في مخاطبة اليهود والنصارى تعبيراً له ايحاؤه ودلالته في التقريب بينهم وبين المسلمين, وهو تعبير ((أهل الكتاب)) أو ((الذين أوتوا الكتاب)).

ومن أساليب الحوار بالحسنى: التركيز على نقاط الالتقاء, ومواضع الاتفاق بينك وبين من تحاوره, وهو أسلوب قرآني, قال تعالى: ((وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )) [العنكبوت:46]؛ فإذا كان هذا موقف المسلم ممن يجادله من أهل الكتاب الذين يخالفونه في عقيدته، فكيف ينبغي أن يكون موقفه من أخيه المسلم؟.
إن الكلمة العنيفة لا لزوم لها, ولا ثمرة تجتنى من ورائها, إلا أنها تجرح المشاعر, وتغير مودة القلوب, قال الشاعر:

إن القلوب إذا  تنافر ودها     مثل الزجاجة كسرها لا يشعب
إن حسن اختيار بعض الجمل أو العبارات المناسبة في بعض الأحيان, يحل مشكلات ويفض اشتباكات؛ وهذا ما يحسن بالدعاة والمفكرين, والعاملين للإسلام أن يحرصوا عليه ويلتزموا به.

10) نبذ الخلاف والفرقة, والبعد عن التباغض والشحناء, فالاختلاف في الفروع الاجتهادية لا يوجب التخاصم والكراهية, قال تعالى في وصف المؤمنين: ((أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)) [المائدة:54]؛ وقال صلى الله عليه وسلم: {المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره …}([7])؛ وكذلك إزالة الحسد، فهو الذي يحمل صاحبه على اتباع هواه, ويجعله يتكلم فيمن يحسده, ولله در القائل:

لله در الحسد ما أعدله     بدأ بصاحبه فقتله!
وعدم الحسد، والإحسان إلى المسلمين هو الأمر اللازم لتحقيق النصرة بين المسلمين؛ وهذا هو الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {ما من امرئ يخذل امرأً مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه, وينتهك فيه من حرمته،إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته}([8]). فينبغي على العاملين في العمل السياسي أن يتقوا ذلك, وأن يحسنوا في أعمالهم وأقوالهم ما استطاعوا إلى لك سبيلاً.

11) التزام العمل السياسي بمنهج أسلوب الوسطية في أقواله, وأعماله, وأحواله, دون إفراط أو تفريط، فمن مقاصد الدين الإسلامي بناء المجتمع المسلم الوسط, وإن الغلو أو الجفاء يخالف كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم, فدين الله تعالى بين الغالي والجافي ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)) [البقرة:143], وليس معنى الوسط البرود وتمييع القضايا, والتسويف في القيام بالواجبات, وهذا خطأ, فلا بد من أخذ الكتاب بقوة, لكن الوسط أخذ أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، حباً وتسليماً وانقياداً, كما أراد الله ورسوله بلا زيادة ولا نقص([9]).

12) الإخلاص التام في العمل, والاعتراف بالتقصير, ودوام الاتصال مع الله سبحانه وتعالى، فينبغي على العاملين في العمل السياسي أن لا يألوا جهداً, ولا يدخروا وقتاً في خدمة دعوة الله, والخضوع والانقياد له تعالى, فيبذلوا ويجاهدوا ويدعوا, وفي المقابل لا يزكوا أنفسهم, ولا يدّعوا الكمال ولا يصيبهم العُجب, بل يتهموا أنفسهم دوماً بالنقص والتقصير, فيجددوا توبتهم وإنابتهم لله تعالى, قال سبحانه: ((وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )) [النور:21] ([10]).


[1] هذه ورقة مقدمة للمؤتمر السلفي العام المنعقد بصنعاء 20-21/ ربيع الثاني/ 1433هـ، الموافق: 13-14/ مارس/ 2012م.

[2] عضو رابطة علماء المسلمين

[3] انظر الصاوي: التعددية السياسية (ص :57).

[4] أخرجة أبو داود: السنن (كتاب الأدب, باب في العصبية 4/331ح 5117)، والحديث صحيح, الألباني: صحيح سنن أبي داود (4/311ح 5117).

[5]الصاوي: التعددية السياسية (ص: 116).

[6] أخرجه مسلم: الصحيح (كتاب الإيمان, باب بيان ان الدين النصيحة 1/74 ح 55).

[7] أخرجة مسلم: الصحيح (كتاب البر والصلة, باب تحرير ظلم المسلم وخذله واحتقاره 4/1986 ح 2564).

[8] أخرجة أبو داود: السنن (كتاب الأدب، باب من رد عن مسلم غيبة 4/271 ح 4884), والحديث حسن, الألباني: صحيح الجامع الصغير (2/992 ح 5690).

[9] النووي شرح صحيح مسلم (16/220).

[10] انظر موقع الإعلام الفلسطيني، شروط التعددية السياسية.

بواسطة : مراد أحمد القدسي

شاهد جميع مقالات

مقالات ذات صلة

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك المُفضل