أنور بن صالح أبو زيد

أنور بن صالح أبو زيد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، ورضي الله عن صحابته أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فهذه بعض الضوابط في العمل السياسي المعاصر، استفدتها من كلام بعض المتقدمين وطائفة من المتأخرين، وقمت بتأليفها على النحو الذي تراه على طريقة الإشارة في العبارة دون التوسع

والتفصيل، لعل لبيباً تكفيه الإشارة، وحراً تكفيه العبارة، وسعيداً يتخذها منارة، وهذا أوان الشروع في المقصود.

تعريف السياسة:

هذا اللفظ يدور حول الإصلاح والاستصلاح, وما يصلح عليه أمر الناس هو من السياسة التي يقوم بها من يلي أمرهم. وقد اتجه الفقهاء في التعامل مع هذا اللفظ اتجاهين:

الاتجاه الأول:

التوسع في مفهوم السياسة, وهو ما عبر عنه ابن عقيل بقوله: “السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي”.

وأجاب على من قال: “لا سياسة إلا ما وافق الشرع”؛ بأنه إن أراد أن السياسة هي ما لم تخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أراد أنه لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة.

الاتجاه الثاني:

تضيق مفهوم السياسة وحصره على باب الجنايات, بل قد ضيِّق المفهوم حتى عنى به التعزير، وهذا تجده عند أصحاب الفقه الحنفي؛ أن الرأي في الجنايات إلى الإمام, فقد يغلظ منها ما يراه حاسما لمادة الفساد.

ويلاحظ أن كلا الاتجاهين لم يخرج المعنى عن الإصلاح والاستصلاح, وإذا تقرر التعامل مع هذا المفهوم بمعناه الواسع، فسندرك خطأٌ ضيِّقٌ من القانونين حول مفهوم السياسة, وجعلها مساوية لنظام الحكم، فإن نظام الحكم أو النظام السياسي ليس إلا فرد من أفراد المعنى العام للسياسة.

وعليه فينبغي فهم السياسة على أنها تشمل أنواع التصرفات القولية والفعلية, وأنها نظام متكامل لا ينحصر في شخص الحاكم، يُعنى بما يكفل المصلحة, و يدرأ المفسدة في جميع مجالات الحياة.

وقد جعل ابن القيم السياسة على نوعين:

أحدهما: سياسة ظالمة، وقد جاء الشرع بتحريمها.

وثانيهما: سياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر، فهي من الشريعة، علمها من علمها وجهلها من جهلها.

كما بين أن هذه السياسة العادلة التي يستخرج بها الحق ليس الشأن فيها أن يكون الشرع نطق بها أم لم ينطق، وإنما الشأن أن تكون موافقة لما نطق به، وعلى هذا يحمل قول من قال: “لا سياسة إلا ما وافق الشرع”, وهي حينئذ ليست موافقة فحسب, بل هي جزء من أجزائه، وأن تسميتها سياسة إنما هو تبعا لمصطلح القوم، وإنما هي عدل الله ورسوله.

إذن من ضَيَّقَ مفهوم السياسة وحصَرَه بما نطق به الشرع وقع في حرج هو في غنى عنه، وفيه يقول ابن القيم: “وهذا موضع مزلة أقدام, ومضلة أفهام, وهو مقام ضنك, ومعترك صعب, فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود, وضيعوا الحقوق, وجرءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، وسدوا على أنفسهم طرقاً صحيحة من طرق معرفة الحق, والتنفيذ له, وعطلوها مع علمهم وعلم غيرهم قطعا أنها حق مطابق للواقع, ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع، ولعمر الله! إنها لم تناف ما جاء به الرسول وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم”.

قال: “والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشريعة, وتقصير في معرفة الواقع, وتنزيل أحدهما على الآخر، فلما رأى ولاة الأمور ذلك, وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة, أحدثوا من أوضاع سياساتهم شراً طويلاً, وفساداً عريضاً, فتفاقم الأمر وتعذر استدراكه, وعز على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك, واستنقاذها من تلك المهالك”.

قال: “وأفرطت طائفة أخرى, فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله, فإن الله أرسل رسوله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل”.

وقال: “فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين, وليست مخالفة له”. [الطرق الحكمية]

فالطريق التي يستخرج بها الحق: هي الوسيلة المفضية إلى مقصد مشروع، ولا بد في هذه الوسائل أن تكون مشروعة، ولا يترتب عليها في المآل مفسدة تساوي أو تربو على المصلحة المرجوة من المقصد.

ومثاله: انعقاد الولاية، يكون بأي طريق مباحة ارتضاها الناس، وحصلت بها الشوكة والمنعة، وتحققت بها مقاصد الإمامة، ولو لم تكن من الطرق التي حصلت في عصر الصحابة، والدليل تنوعها في عصر الصحابة، فاختلف الأمر من بيعة أبي بكر، لبيعة عمر، وعثمان، ومعاوية، والحسن بن علي، كل واحد بطريقة، فدل على أن الأصل الإباحة إذ هي وسيلة إلى الولاية التي يتحقق بها مقاصد شرعية.

وعليه فالرجوع إلى الناس عامة لاختيار رئيس لهم عن طريق الانتخابات, كما هو الحال في عصرنا هو من الطرق المباحة للوصول إلى الحكم.

وليس لأحد أن يدرجها في التشبه المنهي عنه إذ أن الانتخابات ليست من عبادات الكفار, ولا ما اختصوا به من العادات، بل هي وسيلة إجرائية يصح الاستفادة منها.

تعريف العمل السياسي:

يراد به في هذا المقام: “السعي إلى تكوين الأحزاب، أو المشاركة فيها، أو الاشتراك في البرلمانات ومجالس الشورى، مع ما يستتبعه ذلك من التحالفات المؤقتة مع بعض القوى السياسية الأخرى، بغية التمكين لشريعة الله من خلال هذه المواقع، أو تحصيل بعض المصالح الشرعية للحركة الإسلامية، ومنع أو تخفيف بعض المظالم الواقعة عليها” [الثوابت والمتغيرات للصاوي].

وهنا قواعد لا يسع جهلها فيمن تكلم في هذا الموضوع, وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، ومنها:

أولاً: أن نعي وندرك سبب اختلاف الحكم لاختلاف المناط

الدخول في العمل السياسي وسيلة من الوسائل التي تخضع في جوازها للنظر في الموازنة بين المصالح والمفاسد، ومدى صلاحيتها في بلد دون آخر، وفي زمن دون زمن، ولطائفة دون أخرى، وهذا كله من موارد الاجتهاد.

ثانيًا: أن نعي التفريق بين تقرير الحكم الأصلي للمسألة وبين تنزيله على الواقع

فالفقيه حقا هو من يوفق بين الشرع والواقع, لا من يلقي العداوة بينهما، فعند التنزيل إما أن يمكن تطبيقه بحذافيره, أو لا يمكن، فالأول: إنما يكون حال الاختيار والسعة والقدرة، والثاني: يجتهد فيه بما يناسب الحال بقدر الضرورة أو الحاجة المنزلة منزلتها، وهو في هذا ممتثل لما أمر به شرعا, قال تعالى: {لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ}، ولا سبيل إلى معرفة البينية هنا إلا بالاجتهاد، وفي ذلك امتثال للأمر، وتقوى الله بحسب الاستطاعة، وذلك حيث ضاق مجال الامتثال على الوجه المطلوب فاتسع باب الإباحة، فإذا عاد الأمر إلى حالته الأصلية ضاق التوسع ورجع الأمر إلى ما كان عليه.

والخلاصة: أنه لا ينبغ الخلط بين الأصل والاستثناء من الأصل, فنجعل من الاستثناء أصلاً.

وعليه يقال: “إن الأصل في الدخول في اللعبة السياسية المعاصرة والمعروفة بالديمقراطية مخالفٌ لشرع الله، فمن خالط شيئا منها كجانب إجرائي لا فلسفي نظري، بغية الإصلاح ما استطاع, جاعلاً آخيته ذلك الأصل مستحضرا الاستثنائية والضرورة في فعله هذا, مجتهدا في إصلاح الوضع؛ لإزالة هذه الحالة الاستثنائية، ليس كمن قلب المفاهيم فجعل من الممكن والمتاح وسيلة لتضييع الشريعة, وتقرير الكفر وهيمنة الباطل.. الخ.

فالناس تجاه ذلك ثلاثة أقسام:

منهم: من يتشدد بالتمسك بالحكم الأصل, ويرفض النظر في الحكم الاستثنائي، بل ربما تعدى ذلك إلى كيل الاتهامات على من ترخص في هذا الباب على الوجه الذي ذكرناه: وهذا هو القسم الثاني، وأما القسم الثالث: فهو الذي جعل من الحكم الاستثنائي أصلا، وهذا إفساد لا إصلاح.

وأرجو ألا يغيب عنا أن شرعية الحكم الاستثنائي إنما هي في الممارسة لا في الأصل, وأن هذه الممارسة لا تعني بأي حال من الأحوال إضفاء الشرعية على ما ليس بشرعي.

ولذا فمن البديهي القول؛ بأن شرعية الشيء إنما تستمد من الشرع لا من الممارسة, وهذا ضابط ثالث في الباب.

ولما ضرب ابن القيم أمثلة لبعض السياسات الموافقة للشرع, وإن لم ينطق بها، قال: “والمقصود أن هذا وأمثاله سياسة جزئية بحسب المصلحة تختلف باختلاف الأزمنة، فظنها من ظنها شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة، ولكل عذر وأجر.. الخ [الطرق الحكمية].

ثم إننا عندما نقول بشرعية الممارسة, والتي قررنا شرعيتها كوضع استثنائي فهذا لا يستلزم شرعية الأوضاع. وهذا ضابط رابع في الباب.

فإن الحكم على شرعية الأوضاع إذا تعلق الأمر بالفرد ضبطناه بالنصوص الجزئية، وإذا تعلق بالقضايا العامة والتي منها العمل السياسي ضبطناه بالرؤية المقاصدية.

خامساً: أن نعي الفرق بين التجزئة العملية وبين التجزئة الاعتقادية, فالأولى مباحة دون الثانية

فالممارس للعمل السياسي لقيام المبرر يحصل بعضا و يفوت بعضاً؛ لعدم تمام القدرة العملية، وهو مأجور في صوابه وخطئه، وهذا لا يعني بكل حال تجزئة الاعتقاد، لتصور تمام القدرة فيه فلا سلطان لأحد على ما في القلوب، فإيمانه تام بأنه لا حكم إلا لله.

سادساً: ما يحصل من السكوت عن بعض الحق في مثل هذه الممارسات؛ هو مما يسع المسلم فعله بخلاف قول الباطل فإنه لا يسعه بحال إلا في صورة الإكراه كما هو ملموس

ومن هنا يعلم خطأ تنظير بعضهم أن النظام السياسي الإسلامي يكفل حرية الآراء, حتى ولو كانت مصادمة أو قادحة في الشريعة تحت مبرر عدم الاستطاعة، فقد يسع المسلم السكوت عن بعض الحق, وتأخير البيان إلى وقت الحاجة، لكن لا يمكن بحال أن يعذر في قول الباطل وتقريره ومنهجيته مهما كان، فليس له أن يقول مثلا: لن نطبق الشريعة الإسلامية، أو يشجع على نشر الكفر والإلحاد والضلال، بدعوى رجاء قبوله في الرأي العام, أو أنه تكتيك للدعايات الانتخابية، فهذا من قول الزور، وتقرير الباطل، وتلبيس الحق بالباطل.

والنصيحة المبذولة لمن يخوض غمار هذه السياسات أن يحذر أشد الحذر، فإن الأمر قد يبدو خطره واضحا في مقتبل الحال, لكن ما يلبث أن تتلاشى المفاهيم والأصول مع الانخراط في معترك اللعبة السياسية، فيفتتن في دينه، و ينحرف في منهجه، ويفسد تفكيره وتصوره، وللأسف أن يكون هذا هو الغالب.

وقد تحدث ابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية عمن سعى في رد المظالم إلى أهلها, من السلطان الممتنع عن ردها فقال: “لَوْ امْتنَعَ السُّلْطَانُ مِنْ رَدِّهَا، كانت الإعانَةُ عَلَى إنْفَاقِهَا في مَصَالِحِ أَصْحَابِهَا أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا بِيد مَنْ يضيعها عَلَى أَصْحَابِهَا، وَعَلَى الْمُسْلِمينَ. فَإِنَّ مَدَارَ الشريعة عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللهَّ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وَعَلَى قَوْلِ النَّبيِ صَلَّى اللهُّ عَلَيهْ وَسَلَّمَ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [أَخْرَجَاهُ في الصَّحِيحَينْ].

وَعَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ تَحْصِيلُ المصالح وتكميلها؛ وتعطيل الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا، فَإِذَا تَعَارَضَتْ كَانَ تَحْصِيلُ أَعْظَمِ الْمَصْلَحَتَينْ بِتَفْويتِ أَدْنَاهُمَا؛ وَدَفْعُ أَعْظَمِ الْمَفْسَدَتَين مَعَ احتمال أدناهما: هُوَ الْمَشْرُوعَ.

وَالْمُعينُ عَلَى الإِثم وَالْعُدْوَانِ مَنْ أَعَانَ الظَّالِمَ عَلَى ظُلْمِهِ، أَمَّا مَنْ أَعَانَ الْمَظْلُومَ عَلَى تَخْفِيف الظُّلْمِ عَنْهُ، أَوْ عَلَى أداء الْمَظْلِمَةِ: فَهُوَ وَكِيل الْمَظْلُومِ؛ لَا وَكِيل الظَّالِمِ؛ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يقُرِضُهُ، أَوْ الَّذِي يتَوَكَّلُ في حَمْلِ الْمَالِ لَهُ إلَى الظَّالِمِ. مِثَالُ ذَلِكَ وَلِي اليتَيِمِ وَالْوَقْفِ، إذَا طَلَبَ ظَالِمٌ مِنْهُ مَالاً فَاجْتَهَدَ في دَفْعِ ذَلِكَ بِمَالٍ أَقَلَّ مِنْهُ إليهِ، أَوْ إلَى غَيرهِ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ التامِّ في الدَّفْعِ؛ فَهُوَ مُحْسِنٌ، وَمَا عَلَى الْمُحْسِنينَ مِنْ سَبيلٍ. وَكَذَلِكَ وَكيلُ الْمَالِكِ مِنْ المنادينٌ والكتاب وغيرهم، الذي يتوكل لَهُمْ في الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ، وَدَفَعَ مَا يطَلُبُ منهم؛ لا تٌوكل للظالمين في الأخذ. وكذلك لَوْ وُضِعَتْ مَظْلِمَةٌ عَلَى أَهْلِ قَرْيةَ أَوْ دَرْبٍ أَوْ سُوقٍ أَوْ مَدينةٍ فَتَوَسَّطَ رَجُلٌ منهم مُحْسِنٌ في الدَّفْعِ عَنْهُمْ بِغَايةَ الإِمكان وَقَسَّطَهَا بَينْهُمْ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِمْ، مِنْ غَيرْ مُحَابَاةٍ لنفسه ولا لغيره، ولا ارتشاء، بل توكل لهم في الدفع عنهم والإعِطَاءِ: كَانَ مُحْسِناً؛ لَكِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَنْ يَدْخُل فِي ذَلِكَ يَكُونُ وَكِيلَ الظَّالِمِينَ مُحَابِيًا مُرْتَشِيًا مُخْفِرًا لِمَنْ يُرِيدُ، وَآخِذًا مِمَّنْ يُرِيدُ. وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ الظَّلَمَةِ، الَّذِينَ يُحْشَرُونَ فِي تَوَابِيتَ مِنْ نار، هم وأعوانهم وأشباههم، ثم يقذفون في النار” ه

وختاماً: فما يحصل من الاختلاف حول هذه المسألة ينبغي ألا يخرج عن إطار الأدب العام للحوار والنقاش، بعيدا عن الحدة والتشنج من كلا الطرفين المتنازعين، وفق الله الجميع لما يحبه و يرضاه.

بواسطة : د.أنوربن صالح أبوزيد

شاهد جميع مقالات

مقالات ذات صلة

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك المُفضل